حرية التعبير حق إنساني أقره الشرع الحنيف قبل أن تقره مواثيق حقوق الإنسان الدولية، وقد ضبطها بحدود ووضع لها أطرا، بحيث لا تستغل للإساءة للأديان أو الرسل أو الأشخاص
سيصرخ أحدهم محتجاً ما إن يقرأ العنوان قائلاً بأنه ليس للحرية حدود، لاسيما إذا كنا نتحدث عن حرية التعبير لأنها حق من حقوق الإنسان، وهو قول مردود عليه تاريخاً وواقعاً معاشاً في العالم كله، فحتى الدول التي تعد دساتيرها الأكثر محاباة للحرية لديها دائماً استثناءات تحفظ ثوابت الأمة، وتراعي قيم الأغلبية ومشاعر الأقلية، وجريمة التشكيك بمذبحة الهولوكست النازية في أوروبا أقرب مثال. وإذا كنا سنتحدث عن دستور بلد من بلاد المسلمين، والذي يفترض أن يكون مستمداً من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في المقام الأول، فإننا نجد نصوصاً واضحة فيهما تدل على عظم الكلمة، وعدم الاستهانة بمعناها، إذ قد تخرج الإنسان عن دينه إن صاحبها نية فاسدة وإصرار على الخطأ بعد بيانه، ولعل في حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمعاذ بن جبل خير دليل على ذلك، إذ قال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ.
حرية التعبير واحدة من أبرز القضايا الشائكة التي تصارعت عليها التيارات في معاركها الفكرية في العالم الإسلامي، فالليبراليون وغيرهم رفعوا راية حرية التفكير والتعبير، أو يافطة الضرورات الفنية والأدبية والشعرية، ليبرروا نصوصاً أدبية، أو مقالات صحفية، أو تصريحات إعلامية، أو مشاركات فكرية وفنية، يخرج بعضها عن المقبول لدى المجتمع المسلم، ويقع بعضها الآخر في محظورات شرعية بشكل مبطن أو صريح. والأمثلة التي دار حولها اللغط كثيرة، نذكر منها: كتاب آيات شيطانية للكاتب الهندي الأصل سلمان رشدي، ورواية وليمة لأعشاب البحر للسوري حيدر حيدر، وهذه الأغلال للسعودي عبدالله القصيمي، وفي الشعر الجاهلي لطه حسين.
في المقابل، فإن الكثير من المنتمين للحركات والتيارات الإسلامية، متهمون بأنهم يصطادون في الماء العكر، وإن بعضهم يستخدم عصا الدين ليهاجم الأشخاص الذين لا يروقون لهم فكرياً أو مذهبياً أو حتى مناطقياً، فيحورون كلام خصومهم بحيث يبدو وكأنه بالفعل مخالفٌ للشريعة وقادحٌ فيها، ومن ثم يتم تهييج الجماهير، المتدينة بطبعها، للنيل من هذا الشخص، سواء صح ما قالوه فعلاً أو كان في الأمر شبهة. ففضيلة حسن الظن ليس لها موقع من الإعراب في هذه الحرب الضروس، ويكون الثمن حرية شخص ما، أو سمعته، أو حتى حياته.
الشخص المحايد يستطيع ـ مفترضاً حسن النية لدى كلا الطرفين ـ أن يدرك بأن وجهتي نظرهما تستحقان الأخذ بالاعتبار. فلا أحد يريد أن يعيش في مجتمع يحصي عليه أنفاسه وكلماته ثم يفسرها على هواه، بحيث لا تبقى مساحة للتفكير أو الإبداع، في حين أننا ننتمي إلى دين يعتبر التفكر عبادة، وإعمال العقل لإعمار الأرض ضرورة. ولكن في الوقت نفسه، فمن حق المرء أن يعيش في بيئة تحترم ثوابته، ولا تهينها تحت ذرائع الفكر والفن والإبداع. فكيف يمكن التوفيق بين هاتين النظرتين؟
للإجابة عن السؤال السابق، سنتناول قضيتين تتعلقان بحرية التعبير شغلتا مجتمعنا السعودي مؤخراً، الأولى، قضية الشاب حمزة كشغري وتغريداته التي اعتبرت مسيئة للنبي، عليه الصلاة والسلام، على موقع تويتر قبل عام تقريباً، والقضية الثانية حدثت مؤخراً للدكتور تركي الحمد، وهي أيضاً نتيجة تغريدة فهم منها الإساءة للرسالة المحمدية.
في القضية الأولى أخطأ حمزة، وأعتقد أنه حان الوقت للمتعاطفين معه الاعتراف بذلك أولاً، فحتى لو افترضنا حسن النية كما أتصور، فإن هذا لا يبرر تقليل الاحترام لمقام النبوة في خضم استعراض المهارات اللغوية والخطابة الإنشائية، وغضبة الناس منه مفهومة، وكذلك إيقافه المبدئي للمساءلة، حتى لا يتكرر ذلك من غيره، خاصة مع وجود منظرين جدد يسممون أفكار الشباب ويشككونهم في دينهم تحت غطاء الفكر. وإذا كنا قد قاطعنا دولة بكبرها هي الدنمارك نصرة لنبي الرسالة، فسنكون منافقين لو سكتنا عن أي تطاول عليه على مرمى حجر من الكعبة المشرفة. لكن القصـة لا تنتهي هنا، فحمزة حتى قبل أن تتم مساءلته كان قد اعتذر عن التغريدات، ومسحـها، وأعلن توبته. بل إن العلمـاء الذين التقوا معه بعد احتجازه وحاوروه أكدوا ذلك أيضاً، فيبقى السؤال: لماذا ما زال البعض مصراً على أن حمزة يستحق أشد العقوبات؟
أما في قضية الدكتور تركي الحمد، والذي ليس بالضرورة أن تكون من المعجبين برواياته، ولا من المتابعين لطروحاته الفكرية، لتعرف أن أقواله حملت ما لا تحتمل. فقد أعدت قراءة تغريدته محل الخلاف عدة مرات، وكان معنى المجاز فيها واضحاً من وجهة نظري وحسب ما فهمته عن حاجة الأمة لمجدد يضبط انحراف أمة محمد اليوم، كما كان نبي الإسلام مجدداً للانحراف الذي أحدثته البشرية على ملة إبراهيم في ذلك الوقت. فلماذا إذاً كل هذه الضجة وسوء الظن؟ ومع ذلك فأنا أعتب على الدكتور تركي الحمد، وهو رجل قد جاوز الستين، وأستاذ جامعي، وكاتب، وأديب، ألا يكون مدركاً، في هذا العمر وبهذه الخبرة، لطريقة تفكير شرائح واسعة في المجتمع، فيقع في مثل هذا السهو اللغوي، أو أن يخونه التعبير بهذه الطريقة التي تفتح باباً للمترصدين، لا سيما وحادثة حمزة ليست منه ببعيد.
حرية التعبير حق إنساني أقره الشرع الحنيف قبل أن تقره مواثيق حقوق الإنسان الدولية، وقد ضبطها بحدود ووضع لها أطرا، بحيث لا تستغل للإساءة للأديان أو الرسل أو الأشخاص. فلك أن تعبر عن نفسك ضمن هذه الحدود، لكن حين تأخذك شطحاتك بعيداً، فعليك إذاً أن تتحمل مسؤولية كلمتك وتدفع ثمنها حسب ما يقرره الشرع الحنيف. ولكن من حقك على مجتمعك أيضاً أن يحسن الظن بك حين تخطئ، وأن يفترض في نيتك الخير لا الشر، والسهو لا العمد، ما لم تكن عنده أدلة لا لبس فيها، وما لم تكن معانداً للحق، ومجاهراً بمعصيتك، ومباهياً بتجديفك.