لم تنس جدتي رحمها الله أن تسرد لي ولإخوتي – في أيام حياتها - شيئاً من التاريخ الأسطوري الذي حمله عقلها طيلة فترة حياتها الحافلة بالأحداث والتقلبات. وهو التاريخ الذي خزنته في ذاكرتها نقلاً عن ذاكرة سابقة لها بالطبع. وكان مما سردته لنا قصص أخذتنا معها لفضاءات الخيال الواسع، ليتمكن من عقولنا فترة ليست بالقصيرة، فمن قصص ذراع عنترة بن شداد العبسي الواقعية أحياناً، إلى قصة أخيه شيبوب الذي يركض أسرع من الخيل بل وأسرع حتى من الريح! مروراً بقصص زرقاء اليمامة وعينيها الخارقتين والتي تستطيع أن ترى أبعد من عين رجل الستة ملايين دولار (ستيف أوستن)، وهو المسلسل الذي تزامن عرضه مع أواخر حياة جدتي، لنصدق كل حرف من قصصها الخرافية، وصولاً إلى كرامات الأولياء والصالحين الذين يصعدون إلى السماء ويعودون إلى الأرض في طرفة عين، وينادون السحاب إلى أرضهم فتمطر! ولأن البحار عظيمة الأسرار فقد كان لها نصيب من تلك الذاكرة أيضاً.
لقد كانت ذاكرة جدتي مُذهلة وهي تحمل ذلك الكم الهائل من الحكايات والأساطير، في زمنٍ كان وجود الكتاب فيه من الشح بمكان. وفي الواقع لم نكن لننكر حجم دهشتنا بما جاء في مضمون تلك الأساطير الهائلة. صحيح أن حكايات جدتي أسهمت كثيراً في تفتيح أذهاننا على طريقتها بالطبع، وأسست لعقليات حالمة أكثر منها واقعية، وسهلت لنا أحياناً التماهي مع أوجاع حياتية صعبة وكثيرة، وجعلتنا نتطلع – بطريقة ما - إلى التحليق عالياً في سماوات الخيال الممتع، والبحث عن التفرد والتميز، ولكنها لم تخبرنا كيف حلقنا في الأصل، ونسيت أن تعلمنا آليات الهبوط، وكيف يمكننا أن نعود لنحط على الأرض من جديد، فبقينا معلقين في فضاءات من الخيال الخصب لا حدود له، ولا نرى تحتنا أرضاً واضحة المعالم.
وهكذا كانت على ما يبدو تسير أيام التاريخ العربي والإسلامي، الممتد عبر قرونه الأربعة عشر الماضية، وعلى نفس النمط (الحكواتي) المعتمد على أسلوب الإدهاش وتراكماته – في رأيي - متأثرة بخيال الأساطير الأصيلة للشعوب التي انفتح عليها العرب بعد ظهور رسالة الإسلام، واتساع رقعة الدولة الإسلامية، وارتبطت فعلياً بعد ذلك بشكل الطقوس الدينية لبعض معتقدات تلك الشعوب، وكان التأثير واضحاً وجلياً بظهور التيارات الفكرية المختلفة، وما ترتب عليها من تشكل للفرق المذهبية، والطرق التعبدية الغريبة ومدارسها المتنوعة. وهو ما أدخل المنهج الديني في نفق البدعة والابتداع أكثر من الاتباع والإبداع، وأسس لفكرة قداسات (شخوصية) أسطورية دينية مشوشة إلى حدٍ بعيد، صممت لنفسها أشكالاً طقوسية شبيهةً بما كان سائداً ومألوفاً دينياً وفكرياً لديها، وأوجد أنواعاً جديدة من السلوكيات التعبدية الهجينة، التي نالت استحسان شرائح متعددة من المجتمع العربي والإسلامي آنذاك، حتى وإن كانت على خطأ. لتستمر في صنع هالاتها الروحانية المزعومة، مستندة إلى جموح روح الدهشة الأسطورية، والتي دعم تقديرها على الدوام المستوى العقلي البسيط، الذي وصل إلى درجة الانحطاط في أحايين كثيرة. وهي درجة مُخيبة ما كان ليصل إليها العقل العربي، لولا الحصار الذي طوقه، وكبح تواصله مع جوهر الدين وفلسفته.
لقد عطلت الأسطورة، التي حملها العقل العربي والإسلامي على محمل الجد في ذاكرته أوقاتاً طويلة؛ مسيرة التقدم الفكري والنهوض العلمي والإنساني العربي والإسلامي، وشتت وأجهض فكر مشروعات النهضة التي تطلع إليها وبدأها أحياناً، ووضعته تحت سيطرة التسليم بقبول لغة الحكاية الأسطورية، حتى وإن تناقضت مع فقه العقل والمنطق والتجربة العلمية العملية.
لم تكن الأسطورة في الواقع السبب الرئيسي المباشر فيما حدث من انتكاسات، فالأسطورة في كل حالاتها ملهمةٌ وتحريضيةٌ عظيمة على الإبداع والسمو، وإطلاقها في روح النصوص يُعد نوعاً من المغامرة الإبداعية اللذيذة، الذي يُضفي الحيوية على الشكل الكلي لأي عمل. لكن الفصل الكامل للمجتمع عن العقل ومنطقه، هو ما شكل الكارثة الحقيقية، فكانت المأساة الكبرى للأمة العربية والإسلامية، متمثلة في سجنه وتحييده ونصب أشكال الويلات والوعيد لمناصريه، حتى بات الحديث عنه رجسا من عمل الشيطان، وليظل تفعيله محصوراً على جزئيات فقيرة، لا يتحرك سوى في إطار التخزين الوعظي، الذي يُلقى عليه دون أن يكون له الحق في طرح التساؤلات والاستفهامات، واقعاً في كمين ابتزاز ممجوج قمع عبقريته ونورانيته، وترتب على وأدها الوقوع ضحية لحالات التخلف التاريخية الممتدة إلى وقتنا الحاضر، والتي جعلت من عجل الفلاح السمين يطير ليلاً، ليضحي بنفسه على ضريح (السيد البدوي) صاحب الكرامات في يوم مولده! ويصدق الكثير من الناس قول العجل لصاحبه: (بخلت بي على القطب، فقلت له لبيك)!