المتاجرة بالتأشيرات تعد من أبرز التشوهات في سوق العمل السعودي، ويعاني منها المواطنون والمقيمون من العمالة الوافدة على حد سواء، كما تعد من أسباب وجود الجرائم الجنائية والاقتصادية في المملكة
وزير العمل المهندس عادل فقيه في حوار له مع الوطن أكد على أن الوزارة لا تتهاون في معالجة قضية المتاجرة بالتأشيرات، موضحاً أن الوزارة تمنع جميع أشكال المتاجرة بالأشخاص، بما في ذلك بيع التأشيرات، أو الحصول على مقابل لتشغيل العامل، وما إلى ذلك، مع تطبيق أقصى العقوبات على المخالفين، كما أن الوزارة بصدد التعاقد مع شركات استشارية لدراسة الدورة التعاقدية للعمالة الوافدة بهدف وقف ثغرات الاستقدام، والتربح من التأشيرات.
لا شك أن المتاجرة بالتأشيرات تعد من أبرز التشوهات في سوق العمل السعودي، ويعاني منها المواطنون والمقيمون من العمالة الوافدة على حد سواء، كما تعد من أسباب وجود الجرائم الجنائية والاقتصادية في المملكة.
ولم تعد المشكلة قاصرة فقط على عمالة الشركات والمؤسسات، بل طالت أيضاً العمالة المنزلية من خلال ما يسمى بـإعادة الاستقدام، من قبل السماسرة في مكاتب الاستقدام الداخلية والخارجية، حيث يتم استغلال العاملة المنزلية والمواطنين في دفع تكاليف الاستقدام، فعند انتهاء فترة التجربة (ثلاثة أشهر) للعاملة، تطالب بالسفر إلى بلادها، ليتم إعادة استقدامها مرة أخرى وبتكاليف جديدة! والسؤال المطروح هنا: كيف يتم استغلال الأنظمة والقوانين الخاصة بالاستقدام في المتاجرة بالعمالة الوافدة وبيع التأشيرات؟
تناول كثير من الدراسات والأبحاث، وكذلك التحقيقات الصحفية، العديد من الممارسات في كيفية التحايل على أنظمة الاستقدام، وهي لا تخفى على غالبية الناس من المواطنين والمقيمين، بل وصل الأمر إلى وجود بورصة للتأشيرات تختلف من جنسية إلى أخرى، تخضع للعرض والطلب، حسب أحوال السوق.
لن أتحدث هنا عما يعانيه العامل الوافد في سبيل الحصول على تأشيرة العمل، ولا عن معاناة المواطن وما يتحمله من خسائر واستغلال، ولن أتحدث أيضاً عن التحديات التي تواجهها الدولة في مجال توطين الوظائف ومكافحة البطالة، ولا عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والمشاكل الأمنية التي تسببها ظاهرة المتاجرة بالتأشيرات، فهي تكاد تكون معروفة لدى الجميع، ولكن أرى أن هناك عوامل ونقاطا لم تأخذ حقها في النقاش والطرح الإعلامي، وقد أشار إليها وزير العمل في حواره مع الوطن والمتمثلة في تفعيل الرقابة والتفتيش، وتفعيل آليات وشروط الاستقدام، وتوقيع العقوبات على المخالفين لأنظمة وقوانين العمل في المملكة.
ولنبدأ أولاً بشروط وآليات الاستقدام في مكاتب العمل قبل إصدار التأشيرات، فقد أشار وزير العمل إلى أن وزارته تعمل على إنشاء بوابة إلكترونية يستطيع من خلالها أطراف التعاقد والسفارات المعنية متابعة عملية التعاقد منذ إصدار التأشيرة، إلى الحصول على العقد، إلى متابعة الأجر المتفق عليه، وبالرغم من أهمية مثل هذه الإجراءات، فإنه بالإمكان التحايل عليها في ظل وجود إشكاليات تتعلق بإصدار التأشيرات نفسها في مكاتب العمل، ومنها على سبيل المثال: عدم القيام بالزيارات الميدانية للمنشآت الطالبة للاستقدام، وذلك بهدف التأكد من وجود الشركة أو المؤسسة على أرض الواقع، وأنها بحاجة فعلية للعمالة الوافدة، وذلك يعود إلى أن شرط المعاينة الميدانية هو شرط ثانوي وليس أساسيا، ومتروك للاجتهادات الشخصية، مما يترتب على ذلك وجود مؤسسات وهمية غرضها المتاجرة بالتأشيرات.
في المقابل أيضاً لا توجد ضمانات أو تأكيدات بخصوص الالتزام بمعايير الاستقدام الصادرة عن الوزارة في تقنية الحاسب الآلي، وعدم وضوح الصلاحيات في الموافقة على الاستقدام، ناهيك عن التلاعب والتزوير بمسوغات الطلب، مثل خطابات التأييد من الجهات الحكومية المعنية عن طريق إصدار تراخيص لشركات غير موجودة، أو التحايل على القرارات الوزارية، بعمل عقود وهمية.
أما بخصوص تطبيق العقوبات على المخالفين لأنظمة الاستقدام، فإن المادة (39) من نظام العمل تؤكد على عدم جواز أن يترك صاحب العمل عامله يعمل لدى غيره، كما لا يجوز للعامل أن يعمل لدى صاحب عمل آخر. وتنص المادة (233) من النظام على أن يعاقب كل من يخالف حكم المادة التاسعة والثلاثين من هذا النظام بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف ريال ولا تزيد على عشرين ألف ريال، وتتعدد الغرامة بتعدد الأشخاص الذين وقعت المخالفة بشأنهم، ويتم ترحيل العامل على حساب من وجد يعمل لديه.
وعند تطبيق المادة السابقة على أرض الواقع نجد أنه يتم تخيير المخالف بين دفع الغرامة عند حدها الأعلى (20.000) ريال، أو إحالتها إلى الهيئة الابتدائية لتسوية الخلافات العمالية، وفقاً للمادة (241) من نظام العمل، وفي كل الأحوال يلجأ المخالفون إلى الخيار الثاني، وبالتالي تتم إحالة المخالفة إلى الهيئة الابتدائية، والتي غالباً ما تحكم بدفع الغرامة عند حدها الأدنى (5.000) ريال، وذلك حسب اختصاص الهيئة عند هذا المبلغ.
وتجدر الإشارة إلى أن الحكم بدفع الغرامة يصل إلى فترات زمنية طويلة تصل إلى (12) شهراً تقريباً، وخلال هذه الفترة يعود العامل إلى العمل عند غير كفيله كما في السابق، مخالفاً للنظام، كما أن تطبيق العقوبة التبعية والمتمثلة في ترحيل العامل المخالف على حساب من وجد يعمل لديه غير واضحة. وبناءً على ما سبق يتضح أن آليات تطبيق العقوبات غير فاعلة في الحد من تشغيل العمالة الوافدة عند غير صاحب العمل الأصلي، مما يترتب على ذلك زيادة ونمو سوق المتاجرة بالتأشيرات والتستر التجاري.
إن ما ذكرته آنفاً، هو مجرد أمثلة فقط الهدف منها هو تسليط الضوء على المخاطر التي تتعلق بتطبيق الأنظمة والقوانين الخاصة بالاستقدام، ووزارة العمل بحاجة إلى اعتماد منهجية واضحة تعتمد على إدارة المخاطر وتقييم أنظمة الرقابة الداخلية لديها، والتي تشكل درعاً واقياً ضد حالات الاحتيال والتقليل من حجمها في حال وقوعها، وخاصةً في مجالات الاستقدام، والحد من المتاجرة بالتأشيرات، كما يتطلب الأمر أيضاً إعادة النظر في الضبطية القضائية لها وإحالتها للجهات المختصة بهدف تفعيل العقوبات على المخالفين للأنظمة والقوانين.