صباحك فيروز.. أيتها المدن التي بدأت تتنفس للتو، صباحك فيروز.. أيها السارح إلى وجه الحياة والمنسكب في عروقها, صباحك فيروز.. أيها العاشق الذي أعياه الليل وأشرقت شمسه، صباحكم فيروز.. أيها المتعبون من الركض والمشي والوقوف والانتظار.
فيروز الصباح، هكذا تبدو المسألة، لن تحتاج الكثير من التفكير لتعرف لماذا كانت هكذا أو تكون، قد تكون عادة عربية موروثة ومستحسنه، وقد تكون نوعية الموسيقى التي جاءت بها السيدة، تعني بشكل أو بآخر انبلاج فجر يوم جديد، وقد تكون وقد تكون، لكن المؤكد أن الصباح لا يحتمل أكثر من صوت فيروز.
هناك من يضع قاعدة السيدتين، فيروز للصباح وأم كلثوم لليل، ويبدو أنها قاعدة رائجة وتتسق مع الذائقة الإنسانية، فأم كلثوم تطرب سامعيها بموسيقى مكبلهه وتغرقهم في الكثير من الحب والأسى والشجن، أما فيروز فأغنياتها القصيرة تكتفي بأن تعيد تشكيل الحياة وغربلة المشاعر قبل أن تبعث فينا الفرح من جديد.
تغني فيروز للناس والأشياء والفصول والأمكنة، تأتي من خلف التعب والمواجع والجراح، لتخبر الأحياء أن حياتهم ما زالت جميلة ويومهم بهي، تزرع في القلوب الأمل الشارد وتنفخ في روح الصباح شيئا من عطر الكلام برائحة البساتين وديمومة ألوان الزهر.
لم تلد الموسيقى العربية كفيروز، هذا إذا اعتبرنا أنها تخص العرب وحدهم، فهذه السيدة يتمدد صوتها على امتداد الكون، وليس في الأمر غرابة، حين تصدح فيروز في مقهى لندني أو حانة صغيرة في ساوباولو أو حتى محل لبيع الحليب في شنجهاي، ففيروز ولدت في بقعة صغيرة في لبنان وكبرت حتى أصبحت بحجم مجرة.