في منتدى الإعلام الاقتصادي الخليجي اتفق الجميع على تفشي الخلط بين الإعلان والمادة الصحفية، وبين البيان الرسمي والخبر، مما يتطلب الإسراع في وضع ميثاق مهني للصحافة الاقتصادية
في يوم الأربعاء الماضي (13 فبراير)، عقد منتدى الإعلام الاقتصادي الخليجي دورته السنوية الثانية في الدمام. وكان انعقاده حدثاً ديناميكياً نشطاً، تحاور فيه المشاركون بحرارة ومهنية حول دور الإعلام الاقتصادي في الخليج، وتخلفه أحياناً عن مواكبة الأحداث والمستجدات الاقتصادية العالمية والمحلية، واختلفوا هل تكمن أسباب هذا التخلف في قصور في تدريب الصحفيين، أم سياسات صحفية خاطئة، أم في انعدام المعايير الواضحة للصحافة الاقتصادية.
وشارك في المنتدى صحفيون وصحفيات يمثلون الإعلام الجديد والقديم، والرسمي والخاص في دول الخليج. وشارك فيه بعض المسؤولين، ولما كان انعقاده تحت مظلة غرفة التجارة والصناعة بالمنطقة الشرقية، كان ثمة حضور لافت لقطاع الأعمال.
ولذلك كان المزيج مواتياً لمناقشة حارة لأداء وسلوكيات الصحافة الاقتصادية، وكان هناك تباين واضح في وجهات النظر كا ذكرتُ، إلا أنه ظهر اتفاق على أن ما آلت إليه أحوال الصحافة الاقتصادية يتطلب الالتزام بميثاق واضح لأخلاقيات المهنة، يلتزم به الصحفيون والمحررون والمؤسسات الصحفية، ويحترمه قطاع الأعمال والجهات الرسمية.
وحظي الملتقى بتغطية واسعة من وسائل الإعلام الرسمي والخاص، والقديم والجديد، ليس فقط لأن موضوعه يخص الإعلام، وأن معظم المشاركين صحفيون، ولكن لأن للصحافة الاقتصادية آثاراً تمس كل مواطن في حياته اليومية. فمعظم الخليجيين قد تأثروا بهذه الصحافة، سلباً في كثير من الأحيان، وهم لذلك يلقون باللائمة عليها في كل شيء، من انهيار أسواق الأسهم إلى الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها في المنطقة. ويُتهم الصحفيون أحياناً بنشر الشائعات التي تهدف إلى تحريك الأسواق، وبالدخول في تلك الأسواق أو الخروج منها لخدمة مصالح خاصة، بناءً على معلومات داخلية حصلوا عليها بصفة غير قانونية، إلى غير ذلك من الاتهامات العادلة والجائرة.
وفي مداخلتي أمام المنتدى، اقترحتُ وضع ميثاق للصحافة الاقتصادية، يسترشد بالمواثيق الكثيرة التي توصل إليها الصحفيون في الغرب بعد أن اكتووا بالكثير من الأزمات الاقتصادية التي أسهمت الصحافة في تعميقها، والفضائح المدوية. وقلتُ مبرراً لذلك إن الصحافة الاقتصادية تقوم، كل يوم تقريباً، بالخلط بين الإعلان والخبر، واستشهدتُ بالعديد من الأمثلة التي رَوَّجتْ فيها تلك الصحافة، بقصد أو غير قصد، لمصالح تجارية خاصة، دون تدقيق أو تمحيص.
فعلى سبيل المثال، نشرت إحدى كبريات الصحف المحلية تقريراً يدعم وجهات نظر تجار الملابس بالحاجة إلى رفع أسعارهم، محتجين بدعوى ارتفاع الأسعار العالمية للقطن. وظهر هذا التقرير خلال فترة انخفاض حاد في أسعار القطن العالمية، ولكن الصحيفة لم تجشم نفسها عناء التحقق من تلك الدعوى، بل اقتصر تحقيقها على استطلاع آراء عدة تجار في هذا المجال، هم أصحاب مصلحة في رفع الأسعار.
وفي مثال آخر: في عام 2012، نشرت وسائل الإعلام العديد من الأخبار التي ردّدتْ، دون سؤال أو تشكيك، ادعاءات تجار الأغذية حول ارتفاع أسعار الغذاء على مستوى العالم، مما يبرر رفع الأسعار المحلية أيضاً. ولو لجأ كتاب تلك الأخبار إلى مصادر دولية معتمدة، على سبيل المثال منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، التي تتولى نشر بيانات ومؤشرات دورية عن تحركات أسعار الغذاء في العالم، لوجدوا أن تلك الأسعار كانت في انخفاض على مستوى العالم، وليست في ارتفاع، خلال عام 2012.
وفي مثال ثالث، نشرت صحيفة كبرى، في أعلى صفحتها الأولى، تقريراً عن شركة محلية لم يختلف كثيراً عن البيانات الصحفية التي يمكن أن تصدرها الشركة، دون محاولة للاستعانة بمصادر مستقلة لتقييم ما ورد فيه عن إنجازاتها.
وقد أظهرت لي ردود الفعل من المتحدثين الآخرين والحضور أن هذه الأمثلة ليست سوى رأس جبل الجليد، وأن الخافي أعظم، كما قال بعضهم. واتفق رئيس تحرير إحدى الصحف السعودية مع مقولة إن الصحافة الاقتصادية تخلط بين الإعلانات والأخبار، وقال إنه يجد صعوبة في العثور على صحفيين اقتصاديين، وصعوبة أكبر في العثور على محررين. ثم أضاف أنه يلاحظ أحيانا هيمنة بعض الشركات على الأخبار، ليكتشف أن ذلك لم يكن مصادفة، وفي إحدى الحالات اضطر إلى فصل صحفي لأنه شك في وجود علاقة مشبوهة مع أحد المعلنين.
وعبر بعض المعلقين عن اليأس من إمكانية إصلاح حال الصحافة الاقتصادية، لأن المغريات أكبر بكثير من أن يقاومها الصحفيون أو مؤسساتهم. وأكد بعضهم أن المشكلة ليست في الصحفيين، بل في إدارة بعض المؤسسات الصحفية التي تخلط بين متطلبات الترويج والمهنية الصحفية.
وفي نهاية النقاش، اتفق الجميع تقريباً على الحاجة لميثاق مهني. وتمحور النقاش على من يقوم بإعداده وماذا يجب أن يغطي. وكان من رأيي أن يتم إعداد الميثاق في إطار الهيئات المهنية للصحفيين أنفسهم، وأن يستفيد من المواثيق المهنية للصحافة الاقتصادية العالمية.
ويمكن لمنتدى الإعلام الخليجي نفسه أن يأخذ المبادرة بإعداد هذا الميثاق، وبعد تداوله بين الصحفيين، يمكن إقراره في اجتماعه السنوي القادم. وكما أصر الجميع، فإن الميثاق يجب ألا يقتصر على القطاع الخاص، بل أن يغطي الكتابة عن القرارات الاقتصادية الرسمية أيضاَ.
ومن الواضح كذلك أن الأمر لا يتعلق دائماً بتواطؤ مقصود من قبل الصحافة لترويج وجهات نظر الشركات والمؤسسات الخاصة، بل إنه في كثير من الأحيان يعود إلى محدودية الخبرة والمعرفة بالقضايا الاقتصادية التي تزداد تعقيداً كل يوم. وتؤدي صعوبة التمكن من التطورات الاقتصادية الجديدة، والمنتجات الجديدة، إلى قبول الصحفي لتأكيد أصحابها، وتأييد خبراء قد لا يكونون محايدين. ولكن هذا موضوع ليوم آخر.