أغلب الشرور في الحياة تمت تحت شعار ومسمى العدالة. ما بعد الحداثة هي لقاح ووقاية ضد إيماننا بالعدالة أو ضد إيماننا بما نعتقد أنه العدالة، فالتاريخ يقول إن الكثير من الكوارث تمت باسم العدالة
من صور الفلسفات الحديثة في الغرب وكثير من المجتمعات البشرية اليوم فلسفات التعددية الثقافية Multiculturalism والتي يكمن جوهر دعواها في أن العدالة والمساواة يتطلبان حضور كل الثقافات التي تعبر عن الأفراد في مجتمع ما. في المجتمع الأميركي مثلا يطالب دعاة هذه الفلسفة بحضور ثقافات الجماعات الأميركية من أفريقية وثقافات السكان الأصليين والآسيويين..إلخ من الجماعات التي يتكون منها المجتمع الأميركي. بحسب هذه الفلسفة فإن المجال العام يجب أن يكون مفتوحا لكل الثقافات وليس من العدل احتكاره من قبل ثقافة واحدة غالبا ما تكون ثقافة سلطة السياسة والمال.
التعليم كان مساحة مهمة لحضور هذه الفلسفة. المدرسة هي إحدى مؤسسات المجتمع التي يتركّز فيها ما يسميه الفيلسوف الفرنسي بوردو برأس المال الثقافي. بمعنى أن المدرسة، من خلال تحديها لما هو معرفة من عدمه، تحدد للمواطنين الصغار ما يمكن أن يعتبر رأسمال ثقافي وما يعتبر خارج مساحة القيمة المعتبرة. المدرسة مثلا لديها القدرة على تحديد الأدب الرفيع من الأدب المتواضع والموسيقى الراقية من الموسيقى الهابطة. هذه القدرة الهائلة عند المدرسة تجعل من مراقبة ما يحدث فيها أمرا جوهريا. يقول مايكل أبل أحد أهم فلاسفة اليسار التربويين إن المعرفة المقدّمة في المدرسة هي مؤشر مهم على طبيعة القوى الغالبة والمنتصرة في المجتمع.
فلسفة الثقافات المتعددة لها جذور متنوعة أيضا. تاريخيا حضرت هذه الفلسفة من خلال فلسفات ليبرالية ونقدية يسارية وما بعد حداثية. ليبراليا نشطت هذه الموجة مع التحولات الكبيرة في أمريكا في الستينات والمطالبات بالحقوق المدنية للأقليات في أمريكا. انعكست هذه الموجات على التعليم بأن فتحت المدارس على ثقافات الأمريكيين الأفارقة والسكان الأصليين وغيرهم من الأقليات. المدرسة النقدية اليسارية حضرت بقوة هائلة في أميركا وأوروبا واعتمد فلاسفتها على دراسة المجتمع من خلال سياق الصراعات الطبقية والعرقية والثقافية. درست هذه الفلسفة الخطاب التربوي كخطاب إيديولوجي يعكس مظاهر وجوهر هذه الصراعات. فلسفة ما بعد الحداثة، وهي موضوعنا، هنا تقوم بعملية فحص لفكرة التعليم والتعلّم والعلاقات التي تجري في المدرسة لتطرح من جديد أسئلة حول معناها وأثرها. تفكيك الخطاب الثقافي من خلال فحص مفاهيمه للذات والآخر والمعرفة والوجود والعلاقات.
المشكلة المتكررة مع فلسفات ما بعد الحداثة وحضورها في سياق التعددية الثقافية في التعليم تحديدا، إنها فلسفات مخيفة لكثير من الناس. مصدر هذا الخوف هو أن الكثير يشعر أنه مع هذه الفلسفة يفقد المحلل القدرة على الحكم والتمييز بين الخطأ والصواب. النسبوية الحادة قد تكون مفهومة أو مقبولة في السياق النظري أو السياق الخاص كما عند رورتي ولكن كيف يمكن التعامل معها في عملية تركيبية واقعية كعملية التعليم. يطرح الناس هذا السؤال: هل كل الثقافات مقبولة في التعليم؟ هل يجب أن تحتضن المدرسة كل الثقافات دون إطلاق أي حكم تقييمي عليها؟ ماذا عن الثقافات التي يترتب عليها إقصاء لجماعات أخرى؟ هل يحق للثقافة العنصرية التي تحتقر أعراقا من المجتمع أن توجد داخل المدرسة وتعبر عن نفسها باعتبار أنها جزء من المجتمع الآخر. هل يسمح مثلا لثقافات تنظر للمرأة بدونية وتعارض ربما مشاركتها الاجتماعية أن تحضر كذلك في المدرسة؟
فلاسفة ما بعد الحداثة هنا أمام المهمة التي يرفضون القيام بها وهي رسم خط تقييمي معياري يمكن من خلاله الحكم على الثقافات. هذا الموقف يتطلب مرجعية معيّنة تعطي نفسها الحكم على مرجعيات أخرى وهذا ما يعترض عليه الكثيرون ويرفضون الانخراط فيه. هذه هي المهمة التي يطالب بها الكثيرون ويتجنبها فلاسفة ما بعد الحداثة بشكل واضح.
ربما أنه فعلا ليس لدى فلاسفة الحداثة ما يقولون في سؤال القرار والبناء والفعل. كل ما لديهم هو آلة للتحليل والفحص والنقد والتفكيك يفترض أن ينتج عنها حذر عميق لدى أصحاب القرار من الانسياق خلف قناعاتهم وأفكارهم لمساحات واسعة. ربما أن ما تقوله فلسفة ما بعد الحداثة هو أن نحذر من إيماننا كثيرا حين يتعلق الأمر بإقرار ما يتعلّق بالآخرين. من هنا يمكن أن نفهم ريتشارد رورتي حين يقول إن الفيلسوف الساخر الذي يوافق كثيرا مواصفات ما بعد الحداثة يمكن أن يحضر في المجال العام كليبرالي. الليبرالية هنا ليست حزبا أو نشاطا إيديولوجيا بقدر ما هي مبدأ انفتاح يحفظ لـالآيروني أو الساخر حدا معيّنا من التناسق في المواقف. ليس من العدالة أن يجمع الفرد بين كونه ساخرا وبين كونه ناشطا محافظا في المجال العام. الساخر يحمل شكا واسعا في الروايات والحكايات الكبرى فكيف يتحول في المجال العام إلى فاعل وناشط لفرضها على الآخرين أو منع آخرين من تجاوزها.
وربما أن مهمة ما بعد الحداثة في شأن العدالة هو أن توفر حالة الريبة من هذا المصطلح بالذات. لنتذكر أن أغلب الشرور في الحياة تمت تحت شعار ومسمى العدالة. ما بعد الحداثة هي لقاح ووقاية ضد إيماننا بالعدالة أو ضد إيماننا بما نعتقد أنه العدالة. التاريخ يقول إن الكثير من الكوارث تمت باسم العدالة. ربما تريد ما بعد الحداثة أن تزرع في داخل كل منا ساخر رورتي الذي لا يشك فقط في روايات الآخرين الكبرى بقدر ما يرتاب من حكايته هو ومن المعنى الذي يعطيه للخير والحق والحرية. ربما أن ما بعد الحداثة هو حالة من الحذر وحالة من الوعي بالخطر وحالة من الترقّب المتوتر تجاه أي قرار وأي فعل. ربما أن تذكير مستمر بجهل الفرد وبالمساحة التي يجب أن يضعها بين ذاته وبين الآخرين. لا ننسى أن تطاولنا على مساحات وحريات الآخرين هو في الغالب نتيجة دعوى معرفة وثوقية وشعور بالطمأنينة ولذا فبعد الحداثة هي حالة من القلق.