رغم وجود محاولات جادة من العلماء والفضلاء للبناء إلا أن هناك محاولات أخرى مضادة غرضها تمزيق أي جميل، والنتيجة الطبيعية هي أن مدة البناء للطيبات ستطول أكثر من اللازم
يُعد مؤدب الخلفاء الحافظ أبو بكر بن عبدالله البغدادي القرشي الحنبلي الملقب بـ(ابن أبي الدنيا) من أجل العلماء في تاريخنا الإسلامي؛ ولد في بغداد عام 208 من الهجرة، ومات بها سنة 281، بعد أن خلَّف أكثر من مئة كتاب ـ ويقال ثلاثمئة ـ في الزهد والرقائق. من مشاهير كتبه ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ كتاب سماه (الإشراف في منازل الأشراف)، يعد من أوائل الكتب التي تصدت لجمع أخلاق الفضلاء، ومناقب النبلاء؛ ضمنه مجموعة من الأحاديث والأحكام والقصص والحكايات المشتملة على صفات وسمات وأخلاق أشراف الناس وأسيادهم؛ أراد من وراء جمعها وتسجيلها الحث على الاقتداء والتحلي بأنبل ما أثر عنهم من الخلال الحميدة والمناقب الكريمة.. من أجمل ما جاء في هذا الكتاب الجميل قوله: حدثنا أبو محمد العجلي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ابن أخت عبدالله بن المبارك، قال: خرج علينا الفضل بن سهل يوماً فأخذ بعضادتيْ الباب، ثم قال:
مَتى يَبلُغ البُنيانُ يَوماً تَمامَه إذا كُنت تَبنيهِ وَغَيرُك يَهدِمُ
مَتى يَنتَهي عَن سيئ من أتى بِهِ إذا لَم يَكُن مِنهُ عَلَيهِ تَنَدُّمُ
مَتى يفضل المثري إذا ظَنَّ أنَّهُ إِذَا هُوَ أَعْطَى نَائِلاً سَوْفَ يَعْدِمُ
الأبيات المنسوبة ـ في الغالب ـ للشاعر والواعظ الحكيم أبي الفضل صالح بن عبدالقدوس الأزدي المتوفى بالبصرة عام 160 من الهجرة، لها تتمة طويلة جميلة تترجم رجاحة عقله، وتعكس نأيه عن الدنيا وملذاتها وأهلها الذين لم يسلم منهم في حياته أو بعد قتله؛ وقد قصرتُ الكتابة هنا على ما ذكر منها في كتاب الإشراف المذكور..
(متى) الأولى تبين وبوضوح أنه رغم وجود محاولات جادة من العلماء والفضلاء للبناء إلا أن هناك محاولات أخرى مضادة غرضها تمزيق أي جميل، والنتيجة الطبيعية هي أن مدة البناء للطيبات ستطول أكثر من اللازم، خاصة إذا لم نتنبه إلى من يحاول تشتيت أفكار الناس، وتعكير صفو حياتهم.. فمتى يبلغ البنيان يوماً تمامه، وكيف يبلغ ذلك التمام، وهناك مثلاً من يسأل أو يناقش حكم الصلاة على آل النبي صلى الله عليه وسلم، أو يقوم بوأد طفلة بدم ملوث، أو يطمس كتابات وعبارات استمرت في مسجد مقدس لأكثر من قرنين من الزمن!؟.. والله المستعان.
أما (متى) الثانية فمختصرها يدل على ضرورة الشعور بالندم على فعل الأخطاء، وأن الندم كما أن له بعض السلبيات، إلا أن إيجابياته لا يمكن أن تخفى، ومنها ما صدر مؤخراً في دراسة جامعية أكدت على أن الناس يضعون الندم في منزلة عليا، وأن الشعور بالندم يقود صاحبه إلى فهم أحداث الحياة، ويمكنه من إيجاد حل ناجع لأخطائه التي وقع فيها.. والمقصود هنا ليس الندم لمجرد الندم، بل المطلوب هو كيفية إدارة الندم بالشكل المثمر.
وتأتي (متى) الثالثة لتوضح مسألة مهمة وهي أن خشية النفاد طريق لمنع الإنفاق، وأن هذه الخشية غير مبررة، لأن المعطي سبحانه قال في محكم تبيانه: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.. حقُّ البيت الأول من الشهرة يجعلني أعود إليه لأختم مقالي بمفهومه، مؤكداً بذلك على أهمية فهم التمايز والاختلاف والتغاير والتباين المذكور، فالبنيان لن يكون تاماً إذا لم يكن هناك تقييم دقيق ثم تقويم عاجل لحالنا ومآلنا.