استطاعت جامعة جازان أن تحطم تقاليد جامعات المملكة السلبية بعملها على البعد المجتمعي والثقافي، واستعادت حيوية البيئة الأكاديمية الحقيقية التي تمارس دورها الاجتماعي والثقافي والأخلاقي
قال الله تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. وفي سورةٍ أخرى: ... فعسى أن تكرهوا شيئا، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا.. نرددها كثيراً عندما يحدث عكس ما نتمنى، أو لا يكتمل ما كنا نسعى لاكتماله أو ظننا اكتماله. هذا ما حدث لي مع الأسف، وأعلم أن الكثيرين سيستهجنون قولي ـ مع الأسف ـ ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب؛ فعندما كنت في ملتقى التراث العمراني الثاني الذي أقيم في مدينة الدمام، أتيح لي أن ألتقي بعدد من المهتمين بالعمارة والتراث العمراني في وطني الحبيب، وكانت بالنسبة لي فرصة، حيث تشرفت بمعرفة الكثير من رموز هذا الوطن والمهتمين بالعمارة، وبالإخوة الذين أتوا مشكورين لوطني للمساعدة في تدريس وتأسيس كليات العمارة خاصة للفتيات، وذلك لندرة حاملات هذا التخصص من السعوديات والمبتعثات تحديداً. وبما أنني متخصصة في هذا المجال فقد تلقيت عروضاً كثيرة من أماكن مختلفة، لكن ما تحمست له ورغبت فيه فعلاً هو عرض من جامعة جازان ـ كلية العمارة، فتيات، وأسباب تحمسي كانت كثيرة، أهمها لما رأيت في أبناء جازان من حماس ورغبة وجد في العمل على تطوير الذات، فكم يبهرني تفوق الإنسان الجازاني، رغم قلة المعطيات المتوافرة لديه، ولأن جامعة جازان تحديداً تحظى بمركز متميز في وطني، فمن يتابع هذه الجامعة يعلم أنها مختلفة عن بقية جامعات المملكة في أسلوب التعامل مع الطلبة وفي إشراكهم في القرار، لإدراك الجامعة أن هؤلاء هم المستقبل، فجامعة جازان تدرك قيمة تفاعلها مع محيطها، وأن لها دورا في بيئتها التي تملك إرثا حضارياً، وتبني الجامعة تظاهرات ثقافية من خلال الأمسيات الثقافية المصاحبة لمعرض الكتاب بالجامعة، فهي بهذا تجسد دورها بالتفاعل مع المجتمع وقضاياه وانفتاحها عليه والعلاقات المجتمعية والنشاط الثقافي.. هذا جزء مما استطاعت جامعة جازان فعله، فقد حطمت تقاليد جامعات المملكة السلبية بعملها على البعد المجتمعي والثقافي، واستعادت حيوية البيئة الأكاديمية الحقيقية التي تمارس دورها الاجتماعي والثقافي والأخلاقي. ونستطيع رؤية هذا مع نقل القناة الثقافية السعودية كل احتفال يحدث في الجامعة، فأنا كمراقب خارجي أرى انعكاس هذا بوضوح في احتفالاتهم ومشاركة الأمير محمد بن ناصر التي تكمل الصورة، حتى تأكدت أن جامعة جازان ما هي إلا معكوس لمنطقة جازان الثرية. فكما كان تحمسي كبيرا استقبلت بحماس وترحيب كبيرين من قبل أعضاء كلية العمارة في جامعة جازان، وبدأت إجراءات الانضمام لذلك الجسد الشاب المفعم بالحيوية والآمال، ومع اكتمال كل مرحلة ترتفع أصوات الأهل والأصدقاء بالسؤال هل ستذهبين للعيش في جازان فعلاً؟ ، وكانت إجابتي دائماً: نعم لماذا الاستغراب؟! ولا أنكر أن الكثير حاول ثنيي عن قراري بقولهم إنني لن أتحمل الحياة هناك، فهل يمكن لفتاة عاشت جل حياتها في الغرب أن تعيش في منطقة جازان، وكان استنكاري يعلو على استنكارهم بأن هذا كلام غير مقبول أبدا، فإذا رفض كل شخص العمل في المناطق الحدودية بسبب بعدها عن المركز، فلن تنمو هذه المناطق وستبقى مقطوعة إلى الأبد، لكن شاء الله وما قدر فعل، وتم رفض أوراقي من قبل وكيل جامعة جازان للدراسات العليا بسبب أن تخصصي في البكالوريوس فنون بكلية التربية وليس بكلية العمارة، فوجئت جداً بأن شخصاً في هذا المنصب لا يعلم أن العمارة تندرج تحت الفنون التطبيقية وليس كلية الهندسة، وفوجئت بأن حصولي على دبلوم في التصميم الداخلي وماجستير فلسفة بالفن والتصميم والتعليم بالعمارة من أهم جامعات العمارة في العالم التي تخرج منها المعماري تشارلز ماكنتوش، ورسالتي في الدكتوراه عن دور المرأة في العمارة (المرأة العسيرية أنموذجا).. كل هذا لم يشفع لي، فحزنت وأخذت أردد: شاء الله وما قدر فعل، الحمد الله. لكن ما حدث مع رهام الحكمي ـ شفاها الله وألهم أهلها الصبر ـ استوقفني كثيراً، وجعلني أعرف حقيقة الرعاية الصحية بمنطقة جازان التي لم يخطر أبداً في مخيلتي أنها بهذا السوء والإهمال، واستوعبت جيداً سبب سؤالي المتكرر عن قراري باختيار جامعة جازان.. هذا الجسد الشاب القوي الجميل. لم يكن السؤال هنا من باب الرفاهية فقط كما خيل لي، المهم أنها أتت منهم.