قابلت العم (يحيى) عند الواحدة ظهرا حسب موعدنا الذي اختاره بلسانه ما قبل البارحة. وجدته عاتبا، بل غاضبا مثلما يغضب الأب على ابنه لأنني تأخرت عن موعدنا ست ساعات. (الواحدة) لدى العم (يحيى) هي الساعة الأولى مع الشروق. ما زال (العم) يعيش على التوقيت (الزوالي) ومن هنا كان سوء الفهم في توقيت الموعد. خرجت من لقائي مع العم يحيى بصورة (العربي) الذي يعيش مع أمم الدنيا ولكن في توقيت وتاريخ مختلفين. لم يكن مجرد أنموذج (عربي) بل مثال بسيط لأمة عربية كاملة. أمة تعيش جسدا في القرن العشرين، أو الحادي بعده، وعقلا في أتون القرن الخامس عشر. ساعة العم يحيى العتيقة على معصمه (اليمين) تعكس بوضوح زمنه الذي يعيش فيه، بل تعكس أيضا موقع أمة كاملة. وفي كهفه التهامي الحجري يعالج العم يحيى لدغات العقارب بالمساحيق الزهرية من بطن الوادي لأنه يظن وكما قال (إن الدخاترة جهلة يعالجون الجسد بضرب المسامير في أماكن من الجسد لا علاقة لها باللدغة). ومثل العقل العربي يظن العم يحيى أن ثلاث نساء وثلاثة عشر ولدا وبنتا هم المال والغنى بينما يصعب جدا أن تقنعه أنهم سبب هذا الفقر المدقع: أكبر الأولاد هارب اكتفى من التعليم بالابتدائية وصغارهم في العاشرة دون أن يذهبوا بعد للمدرسة.
والخلاصة أنني خرجت من كهوف العم يحيى بعد ساعات من الحديث والاستقصاء مثلما يخرج المرء فجأة من القرن الخامس عشر إلى القرن الحادي والعشرين. من التوقيت (الزوالي) إلى توقيت هذا العالم الذي لم يكتشفه بعد. وحين عدت لمنزلي استيقظت لدي (كالبرق) فكرة أن هذا العم (يحيى) هو الوحيد الذي لم يكذب في (توقيته) ولم يخاتل في تحديد القرن الذي يعيش به. كان صورة صادقة في زمن الزيف العربي: زيف جامعتي التي صرفت مليارات الريالات دون أن تخترع حبة علاج أو سائل مصل. خمس سيارات أمام منزلي دون أن يكون فيها مسمار واحد من كل الخريطة العربية. عشرات الأجهزة في حياتي دون أن يكون لواحد منها اسم عروبي واحد من قاموس ما نسميه باللغة الخالدة. ثوبي من الصين وشماغي ماركة إنجليزية، نضحك على أنفسنا حين ننظر لساعاتنا على معاصمنا في توقيت العصر ولكننا: ساعة العم يحيى: بالتوقيت الزوالي.