بدأت 'نزاهة' تشتكي من نفس الصعوبات التي تواجه ديوان المراقبة، كحجب المعلومات والتأخر في الرد على ملاحظاتها، يبدو أن بعض الجهات الحكومية قد استوعبت جيدا قواعد اللعبة الرقابية

أتفهم الظروف البيئية والوظيفية التي تحيط بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد نزاهة وأتفهم الصعوبات والتحديات التي تواجهها عند التصدي لقضايا الفساد
والانحرافات، ولكن هذا لا يعني عدم تقييم أداء الهيئة وتوجيه النقد إليها.
يقول البعض: إنه من الظلم انتقاد الهيئة في هذا الوقت، فهي ما زالت في طور الإعداد والتنظيم واستقطاب الموارد البشرية المؤهلة، وأمامها ملف ضخم لقضايا الفساد، تراكمت على مر السنين.
وبالرغم من الوجاهة المنطقية للرأي السابق، إلا أني أرى أن انتقاد الهيئة ليس معناه تصيّد أخطائها وزلاّتها، وإنما المساهمة والمشاركة في تفعيل الدور المنتظر والمطلوب من الهيئة، وذلك من خلال مناقشة قضايا الفساد التي تم كشفها ورد الجهات الحكومية عليها.
قبل أن أخوض في هذا الموضوع بالتفصيل، لا بد في البداية أن أشير إلى أهم الانتقادات التي وجهت إلى نزاهة من قبل المختصين والمثقفين والمواطنين، والتي تتمثل في أن الهيئة حصرت أعمالها في منطوق النظام وانشغلت بقضايا الفساد الصغيرة، وأصبحت مجرد واعظ، ودورها لا يتعدى دور الأجهزة الرقابية الأخرى.. وكان رد رئيس الهيئة الأستاذ/محمد الشريف على هذه الانتقادات بالقول: إن الهيئة لا تكتفي بملاحقة قشرة الرأس في قضايا الفساد، إنما تلاحق الرأس كاملا، وأضاف أن دور الهيئة يكمن في فتح ملفات الفساد بناء على ما يردها من بلاغات المواطنين، وما ينشر عبر الصحف، والتثبت حولها، ومن ثم إحالتها إلى جهات التحقيق، والجهات القضائية، وقال: إن الهيئة تلاحق الفاسد مهما بلغ منصبه بشرط وجود دلائل وقرائن أولية.
قد يتعجب القارئ الكريم، عندما أقول: إن الانتقادات السابقة الموجهة إلى نزاهة في مجملها صحيح، ورد رئيس الهيئة على هذه الانتقادات أيضا صحيح ولا غبار عليه!.
المشكلة تكمن في وجود منطقة ضبابية غامضة، لا أحد يجرؤ بالكشف عنها رغم أنها تمثل لب وصلب مشكلة مكافحة الفساد في الجهات الحكومية!، فبعض الجهات تواجه إشكالات متعددة في أداء خدماتها المقدمة إلى المواطنين، من أسبابها الفساد وسوء الإدارة، والموظفون في هذه الجهات يؤكدون أن جميع الأجهزة الرقابية بما فيها ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق وكذلك نزاهة، ناهيك عن اللجان المشكلة من قبل الوزارات قامت بالتحقيق في هذه القضايا والنتيجة لا شيء! والوضع لم يتغير على الإطلاق! فهل لكبار الموظفين قوانين ونظم تحميهم من المساءلة؟ هل هم مصونون وغير مسؤولين؟
بالفعل أصبحت نزاهة ديوان مراقبة آخر، فالملاحظات هي نفس الملاحظات وأسلوب التحقيق في قضايا الفساد نفس الأسلوب، بل وبدأت نزاهة تشتكي من نفس الصعوبات التي تواجه ديوان المراقبة مثل حجب المعلومات والتأخر في الرد على ملاحظات واستفسارات الهيئة، ويبدو أن بعض الجهات الحكومية قد استوعبت جيدا قواعد اللعبة الرقابية، وهذا ما يدفعنا إلى القول: إن التعامل مع ملاحظات نزاهة هو نفس التعامل مع ملاحظات ديوان المراقبة، وبالتالي لا جديد في مكافحة الفساد.
لا أعني بقولي السابق أن ملاحظات الديوان ونزاهة غير جوهرية ودون قيمة ولكن ما أود قوله: هو أننا نواجه إشكالا يتعلق بتفسير الأنظمة والقوانين وعدم وجود آليات فاعلة لتطبيقها، لذا نجد أن الفساد يحمي نفسه باسم القانون والشرع.. كيف؟
قبل أسابيع كشفت نزاهة وجود قضايا فساد في كل من إدارة الأوقاف بوادي الدواسر والرئاسة العامة لرعاية الشباب في محافظة الطائف، وفي القضية الأولى اتضح قيام مدير الأوقاف بتوظيف أقاربه وبعض المتعاقدين على وظائف أئمة ومؤذنين، أما القضية الثانية فتتمثل في وجود مخالفات بشأن عقد صيانة ونظافة معسكر الشباب من أهمها الترسية على مؤسسة واحدة طيلة (21) عاما. إن قضية توظيف الأقارب تكاد تكون ظاهرة في كثير من فروع الشؤون الإسلامية في المناطق، وليس هذا فحسب، بل هناك من يجمع بين وظيفة رسمية ووظيفة مراقب مساجد أو مؤذن أو إمام، وهناك أيضا من يعمل بهذه الوظائف من جهات حكومية أخرى، وبالطبع فإن غالبية هؤلاء الموظفين لا يقومون بأعمال الإشراف أو الإمامة فعليا، ويبدو أن هذه الوظائف ليس لها ضوابط أو معايير محددة لشغلها، ومن الواضح أن قرارات التوظيف لا يتم مراجعتها أو تدقيقها. وبالرغم من أن توظيف الأقارب تطعن في النزاهة المالية لعقود التوظيف بشكل عام، إلا أن رد مدير الأوقاف على هذه الملاحظة بأن ذلك لا يتعارض مع الجانب النظامي والشرعي! وتم اعتمادها من قبل وزارة الشؤون الإسلامية، والسؤال المطروح هنا: هل يوجد لدينا قواعد قانونية تجرّم توظيف الأقارب أو على الأقل تجبر المسؤول عن الإفصاح عنها؟ وما آليات وشروط التوظيف؟ وكيف تتم مراقبتها؟ وكيف يتم اعتماد مثل هذه الوظائف؟
أما بالنسبة لترسية عقد الصيانة والتشغيل لمعسكر الشباب على مؤسسة بذاتها لفترة زمنية طويلة، فإني أتساءل: كيف تمت إجازة هذا العقد من قبل المراقب المالي؟ أعتقد أن الإجابة عند وزارة المالية وهي المسؤولة عن ذلك، فلديها تفسير خاص لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية، والتي لا تأخذ في الاعتبار ضوابط ومبادئ الرقابة الداخلية، التي من أهمها فصل الوظائف المتعارضة وإجراءات الإشراف والمتابعة.
مما سبق، يبدو أن جهود نزاهة قد ذهبت سدى، وأن المخالفات التي اكتشفتها هي في الحقيقة مخالفات نظامية وقانونية بالرغم من وجود شكوك في النزاهة المالية للعقود، لذا يتوجب على نزاهة تفعيل اختصاصاتها الواردة في الفقرات رقم 7، 8، 10، 14 – 17، من المادة الثالثة من تنظيم الهيئة، والتي تتعلق بمراجعة الأنظمة والقوانين التي تجرّم الفساد، فهذه الاختصاصات في الحقيقة ما زالت غير مفعلة، بالرغم من أنها تمثل الدور الرئيسي لـنزاهة في عملية مكافحة الفساد.