لماذا حقق عصر الأنوار الأوروبي أهدافه، واستمر يتقدم بثبات، جاعلا من القارة الأوروبية مركزا للعالم، في حين فشل التنوير العربي؟ بمعنى آخر، لماذا نجح مشروع النهضة الغربي، وفشلنا نحن؟
إن رصد تطور حركة اليقظة العربية يوضح أن تأسيسها ارتبط بانهيار الطبقة الرأسمالية المحلية، وغياب الطبقة المتوسطة، بفعل الصعود الكاسح للاقتصاد الغربي وتدمير الصناعات الحرفية في حوض المتوسط بسبب توافد المنتجات الأوروبية رخيصة السعر للأسواق المحلية، واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، مما أدى إلى تراجع أهمية عدد من الموانئ العربية، التي كان لها دور في رفد اقتصادات مصر وبلاد الشام.
وفي ظل هذه المناخات لم يبق في الساحة من إمكانه قيادة مشروع التنوير بمراكز الإشعاع سوى بقايا العالم التجاري والفئات الريفية والوجاهات، وقد تصرفت كوريث للثقافة التقليدية المحلية، وليس كحامل للواء التنوير. وقد عاشت حالة انفصام مركبة، فهي لم تتمكن من القطع مع الماضي، ولم تعلن موقفاً محدداً تجاه ثقافة المستقبل.
ولأن الأفكار لا تنتج من فراغ، بل هي في المبتدأ والخبر استجابة لواقع موضوعي، يمنحها المشروعية وصفة التقدم؛ فإن قوى التنوير تلقت ضربات عنيفة، كادت تودي بمشروعها. فقد صدمتها قوة شبكة العلاقات البطركية، وحدت من انطلاقتها، كما أنها واجهت احتلالا استعماريا فتيا. فشلت ثورة عرابي، وأجبرت الطبقة المتوسطة على توقيع اتفاقية عام 1936، بين سعد زغلول والبريطانيين، وعجزت عن إيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ووقعت معاهدة بارتسموث بين العراق والبريطانيين في نهاية الأربعينات.
لم تتمكن قوى التنوير من مواصلة مهمتها التاريخية، فقد شعرت، نتيجة لارتباطها العميق بالثقافة التقليدية؛ بخطر التغريب كمدمر لقيمها، ومن جهة أخرى غمرها شعور بالحاجة للتحديث. وهكذا حاولت المواءمة بين الأصالة والمعاصرة، وتمكنت من تحقيق بعض النجاحات، كبعث اللغة وتكييفها تكييفا جديدا منسجما مع متطلبات التجديد الثقافي والتقاني، وإيقاظ الروح النقدية. يضاف إلى ذلك أن اليقظة العربية، بما هي مشروع للنهوض، جاءت بعد انقطاع طويل لحضور الأمة، إثر اجتياح التتار والمغول العاصمة العباسية بغداد ولمراكز الإشعاع العربية، بمعنى أنها لم تكن نتاج صيرورة وتراكم تاريخي. لقد كانت مشروعا وافدا من الغرب، لم تجر تبيئته، ولذلك بات صدى واهنا لتحولات دراماتيكية بالمجتمعات الأوروبية، ونقلا مشوها، عاجزا عن الارتقاء لمستوى يستوعب المحركات الذاتية، وينطلق من التربة الوطنية. فكان أداؤه وجها آخر للعجز عن المبادرة والإبداع، وتعبيرا عن ضحالة الفكر، وهشاشة الهياكل الثقافية والفكرية والاجتماعية السائدة.
وقفت مشاريع التنوير موقفاً ضبابياً ومرتبكاً من مسألة الدولة المدنية. ووقعت أسيرة لحظة في التاريخ، فجاء خطابها عاطفياً ومشحوناً بتوتراتها، ولذلك التزمت بموقف سلبي من الدولة الوطنية، ولم تقدم جواباً شافياً لمفهوم الأمة. تأثرت بالتنظير الأوروبي حول هذه المسألة، لكنها حين التزمت بها وطرحتها كسبيل للخروج من مأزق التخلف، اقتصرت أدبياتها على عنصر واحد هو اللغة، وغاب الحديث عن الجغرافيا والمواطنة والدولة المدنية. وكانت مواقفها أيضا مرتبكة، من عناصر النهضة، الحرية والعدالة. فبدلا من ربطهما معا في برنامج سياسي واحد، جرى تغليب أحدهما على الآخر، بل ووضعتا في بعض المراحل التاريخية، في حالة تعارض مع بعضهما. ففي حين كان شعار الحرية هو المحرك للكفاح ضد العثمانيين، والاستعمار الغربي لاحقا، فقد تأسس النظام العربي، بعد الحرب العالمية الثانية، على قاعدة الصراع بين العناصر اللازمة للنهضة، بدلا من التفاعل الخلاق بينها. وكان الصراع في الخمسينات والستينات، في المجتمع العربي، بين عناوين النهضة: بين الحرية وبين العدل. فقد كان المفكرون المتأثرون بالمعسكر الشرقي يغلبون فكرة العدالة على الحرية، والعكس صحيح بالنسبة للمتأثرين بالمنهج الغربي في الحكم، حين تغلب الحرية على العدل.
انتهت حقبة من التاريخ، بسقوط الاتحاد السوفيتي، وهيمنة اليانكي على العرش الأممي. وكان دورنا من جديد هامشيا. انسقنا لمهرجان نهاية التاريخ، وبلوغ المجتمع الإنساني مرحلة النظام العقلاني على الطريقة الفيبرية. وعاد الحديث عن الليبرالية والنظام الغربي والديموقراطية باعتبارها مثلاً وقيماً جديدة، رغم أنها سادت في الغرب لما يقرب من قرنين ونصف، منذ اندلاع الثورة الفرنسية.
مكمن الداء إذا، في هذا السياق، وضع عناصر النهضة، في مواجهة بعضها. ووضع المواطن بين خيارين، أحدهما يصادر حرية المواطن، والآخر يصادر الوطن والمواطن، ويفتت المفتت. يواجه الاستبداد بالتفتيت، ويقع كثير من المثقفين في حبائل التنظير الهادف لإضعاف الأمة. عنصر نهضوي في مواجهة عنصر نهضوي آخر، الحرية في مواجهة التنمية والعدالة.
لن تستقيم معادلة التنوير ومواجهة إخفاقات النهضة إلا بإعادة الاعتبار، لعنصري النهضة: الحرية والعدالة، وكلاهما يتطلب نبذا لسياسة الإقصاء، وحقا في تكافؤ الفرص، وإسهام الأمة في صناعة مقاديرها، ضمن علاقات تعاقدية، تؤكد على تجاوز التفرد، وتغلب لغة القانون.
وهكذا فإن المقاربة بين مشروعي التنوير الأوروبي والعربي، تشي بأن الأول هو نتاج صيرورة تاريخية، وجد حاضنة اجتماعية قادرة على النهوض به، وتحويله إلى أمر واقع، بعد انتصار الثورتين الفرنسية والإنجليزية. أما التنوير العربي فافتقر إلى التراكم، وغياب حاضنة اجتماعية مستقلة، قادرة على الأخذ به ونقله من حالة التنظير والتبشير، إلى الممارسة.
بمعنى آخر، لم يواجه التنوير الأوروبي، أية معوقات تحول دون انطلاقه. لقد جاءت التطورات التاريخية، لتعضده، وتأخذ به، في حين كان التنوير العربي ضحية انسداد تاريخي في الواقع العربي، عطل من تحقيق النهضة، وحال دون قيام الدولة المدنية. وكان أحد أوجه فشله استمرار هشاشة الهياكل الاجتماعية، وبقاء شبكة العلاقات القديمة على ما هي عليه.
ويبقى الموضوع بحاجة إلى المزيد من التأصيل والتحليل في أحاديث قادمة، بإذن الله.