الرقص ـ في الأصل ـ لغة تعبر عن اللحظة ذاتها التي يعيشها الجسد، لذا هي لغة الروح.. فهل كان خطاب العودة تمايلا لحالة عبر عنها لحظتها؟ أم أنه علاج نفسي ناجح؟

قرأت كما قرأ الجميع خطاب، الشيخ سلمان العودة، وقرأت أيضاً ردود الأفعال عليه، ولأكن صريحة، فقد نالني من التخبط واختلاط الأمر ما نالني، رغم عدم حبي لتصنيف نفسي أو الآخر بمع أو ضد، فهذا التصرف بالنسبة لي متطرف ويخطف حق الآخر بالتعبير عن رأيه، وهذا ما لا سوف أفعله هنا، فلست مع أو ضد خطاب العودة، ولن أقول إنه يمثلني أو لا يمثلني، لأنني صدقاً لا أعلم، فخطابه وضعني في حالة المتفرج الذي لا يملك إلا المشاهدة، ولا يستطيع المشاركة فكأنني أشاهد لوحة لرقصة تعبيرية، وطبعاً السؤال البديهي لماذا أنعتها بالرقص ولماذا التعبيري تحديداً؟ الرقص هو عبارة عن حركات أعضاء الجسم وعادة ما تكون على أنغام موسيقية أو إيقاعية على حسب نوع الرقصة، وبما أنني وصفتها بالتعبيرية فأنا هنا أشير إلى استخدامها كشكل من أشكال التعبير أو أن تقدم في مناسبة اجتماعية، وهذا تماماً ما قدمه خطاب العودة، فهو عبر عما بداخله من مخاوف وهموم للناس كافة عبر الوسيلة الأكثر اجتماعية في وقـتنا الحاضـر.
ولا أقصـد بوصفي خطابه بالرقصة تقليلاً من شخصـه، بل أعاود القول إنه ما شعرت به، فإن أغلب المصادر والرسومات القديمة أجمعت على أن الرقص كان نوعاً من أنواع العبادة، في العصور القديمة، وكان العرب قـبل الإسلام يرقصون للات وهبل وعزى عند تـقديمهم القرابين والنذر، ويرقص الأفارقة من أجل سقوط المطر أو طلب المساعدة من خطر يحدق بهم، وأيضاً للهنود الحمر نصيب في هذا برقصة (بقرة الوحش) التي يـقوم بها مجموعة كبيرة من الرجال والنساء والأطفال فيلبسون أقنعتهم المصنوعة مسبقاً من الجماجم إيماناً منهم بطرد وإخافة الأرواح الشريرة التي تحمل لهم الأمراض دائماً رغبةً منهم بالحياة.
وقديما كان الرقص ـ عند بعض الطبقات المضطهدة ـ وسيلة للتعبير، فتاريخ رقصة (الفلامنكو) أكبر مثال
حيث سن الملك فرناند وزوجته الملكة إيزابيل قانونا يقضي بأن كل سكان إسبانيا يجب أن يكونوا من المسيحيين الكاثوليك.
وبالتالي يجب على المسيحيين غير الكاثوليك واليهود والمسلمين التحول إلى المذهب الكاثوليكي وإلا كان عـقابهم الرمي بالرصاص، لذلك هرب المضطهدون إلى غرناطة التي كانت تحت سيطرة المسلمين وظهر غناء ورقص (الفلامنكو) الحـزين الذي يعتمد على الإيقاع وسرعة ضربات الأرجـل المعبرة عن الغضب والاستياء، فهل يا ترى الشيخ العـودة يرى نفسه من المضطهدين أو أنه أراد فقط التعبير عن هذه الطبقة بضـربات القلم المعبرة عن الغضب والاستياء؟ فنحن نمارس الرقص في حياتنا اليومية بعفوية وبصورة عامة، عند سماعنا خبراً جميلاً نتمايل بعفوية، وعندما نحزن لسماع خبر ما، فإننا نضرب أخماساً في أسداس ونضع أيدينا على رؤوسنا ونتمايل ونردد عبارات الحزن والأسـى وننحني ونصـعد، كل هذا يحدث دون أن نعي ما نقوم به، لأن الرقص أصلاً لغة تعبر عن اللحظة ذاتها التي يعيشها الجسد، فهي لغة الروح، فهل كان خطاب العودة تمايلا لحالة عبر عنها لحظتها؟ أم أنه علاج نفسي ناجح؟ فالرقص علاج لحالات الكبت والضغوط التي يواجهها الإنسان في حياته اليومية؟! أو أنني فضلت أن أراه كلوحة تعبيرية راقصة أملاً مني بالتواصل مع الجميع بلغة راقصة لانـعدام لغة التـفاهم بين الأغلب حالياً.
ويبقى سؤالي لسلمان العودة: على أي طبل يرقص خطابك! قرع طبول الحرب أم قرع طبول السلام؟ ومن للوطن وكل يغني على ليلاه؟