رغم ضرورة أن يوضح المسلمون المعتدلون حقيقة أن الإسلام ليس دين إرهاب وتشدد، كما يُعتقد في الغرب، فإن نفي صفة الإرهاب عن بعض الأفراد المسلمين أمر صعب إذا ما ثبت ذلك، فليس كل مسلم إرهابيا بطبيعة الحال، ولكن هناك إرهابيين مسلمين!
من يتتبع تاريخ الإسلام منذ بزوغ فجره، على يد النبي عليه الصلاة والسلام، يجد أن الدعوة المحمدية اجتذبت السادة والعبيد، الأغنياء والفقراء، الرجال والنساء، الشيوخ والصبيان، في وقت قياسي؛ ولم يكن ذلك إلا نتيجة امتثال النبي القرآن الكريم في إبلاغ رسالته، بدعوته إلى سبيل ربه بـالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلة الآخرين بالتي هي أحسن.
أما تاريخ السيرة النبوية فيوضح عمق تسامحه صلى الله عليه وسلم حتى مع خصومه، ويتجلى ذلك في حوادث كثيرة كلها تكرّس ضرورة امتثال الموقف نفسه من الآخر/المختلف، ومن ذلك موقف النبي- في فتح مكة - من أعدائه القرشيين الذين لم يألوا جهداً في إيذائه سابقاً، لكنه عفا وتجاوز وصفح عنهم دون قيد أو شرط، رغم أنه كان يملك الحق والقوة للاقتصاص، لكنه آثر الصفح باعتباره قوة، على الانتقام باعتباره عجزاً وضعفاً.
أسوق هذه المواقف كأمثلة نبوية كبرى، في وقت بات فيه (سؤال الإسلام) مطروحاً اليوم في الغرب أكثر من أي وقت مضى، وخاصة بعد أن أصبحت حادثة 11 سبتمبر حدثاً مفصلياً في التاريخ العالمي المعاصر، إذ رغم حداثة عهد العالم بهذه الكارثة، إلا أنها كرّست فعلياً ما اصطلح على تسميته بـرُهاب الإسلام أو (إسلاموفوبيا) حيث شهدنا ردة فعل سيئة انعكست نتائجها سلبياً على المسلمين في العالم الغربي والعالم الإسلامي على حد سواء.
فالذهنية الغربية لعامة الناس في مجتمعات أوروبا وأمريكا اختزلت (الإسلام) بصورة سوداء لم تشكّلها تاريخية الصراع بين المسيحية والإسلام، بقدر ما شكّلتها النتائج السلبية السريعة التي أفرزتها (غزوة منهاتن) على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، حيث تمَّ ربط الدين الإسلامي بالسلوكيات المتطرفة لبعض الأفراد المسلمين والجماعات الإسلامية التي انتهجت مبدأ العنف السياسي للوصول إلى طموحاتها السياسية؛ وبالتالي لم يشوِّه الإسلام أكثر من المسلمين أنفسهم! وأقصد بهم أولئك الذين يميلون بسلوكهم إلى التشدد والانغلاق والانكفاء على الذات، في الوقت الذي يشهد فيه العالم انفتاحاً وشراكة وتشابكاً في المصالح على كافة الأصعدة، وتشهد المجتمعات تغيراً في أنماط الحياة والثقافة، ويشهد الأفراد وعياً مطّرداً بحقيقة الإنسان ووجوده.
حين ينظر الفرد الغربي إلى ما حوله، فإنه يعي التجربة الحضارية الإنسانية التي يعيش هو ثمرة وعصارة تراكمها، كما يعي أيضاً دور الإنسان الغربي في الدفع بعجلة الحضارة الحديثة إلى الأمام بقوة وسرعة كافيتين لجعله يطمح أكثر إلى مزيد من التقدم. لكن الفرد الغربي لا يعي الدوافع والأسباب التي تجعل أفراداً يعمدون إلى قتل المدنيين وخطف الطائرات، معلنين أنهم ينفذون تعليمات ربانية لتدمير هذه الحضارة التي يشترك فيها جميع البشر اليوم كمنتج بشري نهائي، مع تفاوت الاستفادة من هذا المنتج.
إذا ما قدَّم المتشددون والإرهابيون أنفسهم على أساس أنهم ينفذون تعاليم الإسلام، فما ردة فعل المجتمعات الغربية؟ إن المواطنين الغربيين الذين لم يكن الإسلام يعنيهم بشيء سابقاً، أصبحوا يُعنون اليوم بالإسلام من زاوية خطورته عليهم وعلى حضارتهم وعلى العالم أجمع، وبذلك طال الضرر جميع المسلمين الذين يعيشون في البلاد الغربية والإسلامية، من خلال التشريعات والقوانين الخاصة بالتعامل مع المسلمين في الغرب، انطلاقاً من خطورتهم المفترضة نتيجة مجرد انتمائهم للدين الإسلامي.
لا يهتم الغربيون كثيراً باختلاف الدين بقدر اهتمامهم بما ينتجه هذا الاختلاف من سلوكيات في الواقع، فالخوف الغربي غرسته تصرفات وسلوكيات المسلمين المتشددين فأثمر صورة نمطية غير صحيحة عن الإسلام، ورغم ضرورة أن يوضح المسلمون المعتدلون حقيقة أن الإسلام ليس دين إرهاب وتشدد، كما يُعتقد في الغرب، فإن نفي صفة الإرهاب عن بعض الأفراد المسلمين أمر صعب إذا ما ثبت ذلك، فليس كل مسلم إرهابيا بطبيعة الحال، ولكن هناك إرهابيين مسلمين!
إن العلاقة بين الإسلام والغرب هي علاقة اختلاف ثقافي، إذا ما أخذنا الثقافة بمفهومها الشامل، والدين الإسلامي لا يمثل خطراً على الغرب، إنما المفارقة تكمن في أن بعض المسلمين المتطرفين هم من يمثلون خطراً، ليس على الغرب فحسب، بل على المسلمين والدين الإسلامي.
لقد اصطدم المجتمع الغربي بالمتشددين وجماعات العنف السياسي الذين يصرون أنهم ينفذون توجهات الدين الإسلامي، مما أحدث تناقضاً بين المبادئ والأفعال. المبادئ التي يقوم عليها الدين الإسلامي من حرية وعدل وتسامح، والأفعال العدوانية التي يقوم بها بعض أبناء المسلمين تناقض هذه المبادئ التي يتم ادعاء الالتزام بها؛ مما جعل كثيرا من الغربيين يعتقدون أن هذا التناقض يؤثر سلباً في أتباع الدين الإسلامي، بالقدر ذاته الذي يؤثر سلباً عليهم وعلى حضارتهم، من خلال تصرفات يعتبرونها خطرة، وهنا يبقى السؤال المشار إليه جديراً بالتأمل.