نتحدث عن جامعة ناشئة، والاستثناءات واردة بما يحقق حاجة الجامعة للنهوض، وأي استثناء أفضل من استثناء شاب متفوق من أبناء المنطقة حاصل على شهادة الماجستير من جامعة أمريكية في قسم جديد لم يفتتح إلا قبل سنة أو سنتين فقط، وبوجود كرسي للدراسات الاجتماعية والثقافية؟

ظهرت الجامعات في السعودية لكي تؤسس نقلات نوعية على المستوى العلمي والثقافي والاجتماعي لبناء المنطقة التي توجد على أرضها تلك الجامعات، وكان حرص الدولة ممثلة بملك الإنسانية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز كبيراً في أن تحظى كافة المناطق السعودية ومحافظاتها بوجود جامعة أو كلية تنهض بالمواطن السعودي، كما تؤسس لمجالات وظيفية أوسع مما كانت عليه، باعتبار أن أهم مرتكزات التنمية أنها تخلق وظائف متعددة ومتنوعة وتفتح فرصاً واسعة للتطور. وكان من أهم الجامعات التي ظهرت في السنوات الخمس الماضية جامعة حائل، باعتبار أن منطقة حائل إحدى المناطق التي تأخر فيها ظهور جامعة خاصة بها؛ علماً أن غالبية أبناء المنطقة قد استطاعوا الحصول على مؤهلات دراسية جيدة؛ بل وتعدى بعضهم مرحلة البكالوريوس إلى الماجستير والدكتوراه، مما يثبت أن هذه المنطقة فيها من الكفاءات العلمية والتعليمية والثقافية الشيء الكثير، وتحتاج إلى فتح الفرص لها لكي تقوم بدورها، والدليل على ذلك أن هناك من أبدع منهم خارج الأرض الحائلية حين لم تكن لهم جامعة تضم شتاتهم، حتى وضعوا لهم بصمات جيدة في البناء العلمي والتعليمي في جامعات أخرى معروفة. ومن هنا تأتي أهمية وجود جامعة في حائل؛ خاصة أن هذه الجامعة تعتبر جامعة ناشئة ويمكن لها تجاوز الكثير من الأخطاء التي حصلت لجامعات أخرى لقلة التجربة فيما سبق، أما في جامعة حائل وغيرها من الجامعات الأخرى التي ظهرت مع ظهورها، فإن التجارب الجيدة للجامعات السعودية يمكن أن تختصر المسافة للنهوض بالجامعة وتجاوز الكثير من العقبات.
وبما أنها جامعة ناشئة فإن عليها الكثير من العمل الذي لابد أن تختصره في أسرع وقت ممكن، خدمة لأبناء المنطقة من كافة أشكالهم، خاصة في المجال العلمي والتعليمي، ولن تنهض أية تنمية ما لم تقم على أكتاف أبناء المنطقة ذاتها، ومن هنا يصبح أهمية أن تلتفت الجامعة لأبناء المنطقة أنفسهم لكي تبني على أكتافهم الكثير من المنجزات المأمولة، وإلا فما معنى أن تصبح جامعة تحمل اسم المنطقة لا تخدم أبناء المنطقة..؟! خاصة أولئك الذين استطاعوا أن يتحصلوا على شهادات عليا من أماكن مختلفة من مناطق العالم.
أقول هذا الكلام وأمامي نماذج عديدة من أبناء حائل البارزين، والذين اختصروا مسافة لا بأس بها من التعليم، حيث حصلوا على درجة الماجستير من خارج المملكة، وتحديداً من مناطق علمية معتبرة لدى الدولة؛ بل إن الدولة ذاتها هي من ابتعثتهم كما ابتعثت العديد من الطلاب غيرهم، ومعروف عن تلك المناطق التي ابتعثوا إليها قيمتها المعرفية، كالأردن مثلا في النقد والأدب، وحينما أراد أبناء المنطقة الالتحاق بالجامعة محاضرين فإنهم وجدوا الأبواب مقفلة دونهم على اعتبار أنه لا يمكن قبول شهادة عربية، علماً أن أحدهم شاب كان مبتعثاً من قبل التعليم العالي نفسه، وحظي بتقدير عالٍ جدا حتى وجد الفرصة في جامعة أخرى غير حائل والتحق بها، وقد تم تقدير جهوده خلال أقل من سنة ليتم تكليفه بمهام داخل الجامعة التي التحق بها. والغريب أن الأردن من أكثر البلاد العربية التي تحرص جامعة حائل على التعاقد مع بعض المحاضرين منها. ومع احترامنا الكبير جداً للإخوة الأردنيين وبعضهم أساتذة لنا، ونكنّ لهم كل الحب والمودة والتقدير إلا أن أبناء المنطقة أولى في أن تتأسس على أيديهم جامعة منطقتهم.
ولا يقتصر هذا الحديث على الشهادات العربية، بل تعداه إلى الشهادات الأجنبية من دول أخرى كأمريكا مثلاً، حيث استطاع أحد الشباب الحائليين أن يأتي بشهادة الماجستير بتقدير ممتاز مع درجة الشرف الأولى من جامعة أمريكية عريقة في علم الاجتماع، وهو من التخصصات الإنسانية المعتبرة والهامة جداً، وتزداد أهمية هذا التخصص بالنسبة للجامعة كونه تخصصا جديدا وبحاجة إلى كوادر علمية وطنية من أبناء المنطقة للعمل فيه، في حين تم رفض قبوله بحجة أن مسار شهادة البكالوريوس كان يختلف عن مسار علم الاجتماع وبحصوله على تقدير أقل في مرحلة البكالوريوس. ونحن نعلم أن هذه الحجة واهية كون تغيير التخصصات معتبرا في كافة مناطق العالم وكافة جامعات المملكة، بل إذا كان التعليم العالي ابتعثه وقبل منه تغيير مسار التخصص فلماذا لا يتم قبوله في الجامعة؟!
من جهة أخرى فقد تم في الجامعة قبل فترة تدشين كرسي الجزيرة للدراسات الاجتماعية والثقافية، وبحسب علمنا جميعاً أن دارس علم الاجتماع هو أكثر المؤهلين للبحث في تلك الدراسات، وعلى ذلك تصبح الحاجة لدارسي علم الاجتماع مضاعفة. من هنا كان من المفترض على الجامعة أن تخطب ود مثل هذا الشاب ليقوم بعمله في القسم الذي لا يوجد فيه أي سعودي حتى الآن، أو يتم تفريغه ليقوم بعمل أبحاثه الاجتماعية أو الثقافية في الكرسي.
أعرف أن الجامعة حالها حال الجامعات الأخرى، تسير وفق لوائح وأنظمة؛ لكن الاستثناءات من هذه اللوائح والأنظمة هي من صلاحيات مجلس الجامعة بما يخدم الجامعة والمنطقة ذاتها. نحن هنا نتحدث عن جامعة ناشئة، والاستثناءات واردة بما يحقق حاجة الجامعة للنهوض، وأي استثناء أفضل من استثناء شاب متفوق من أبناء المنطقة حاصل على شهادة الماجستير من جامعة أمريكية في قسم جديد لم يفتتح إلا قبل سنة أو سنتين فقط، وبوجود كرسي للدراسات الاجتماعية والثقافية؟
التعليم العالي يبعث الكثير من الطلاب لكافة مناطق العالم، ومن أهمها أمريكا بالطبع، وعدد المبتعثين حتى الآن يفوق المئة ألف، وذلك لسد عجز الجامعات السعودية الناشئة، وإذا كانت الجامعات لا تقبل إلا من تبتعثهم من داخلها، فماذا سيفعل هؤلاء؟ وما هو البرنامج الذي سوف يستوعبهم إذا كانت الجامعات السعودية لا تقبل بهم؟ ألا يوجد هناك تنسيق بين التعليم العالي والجامعات؟ أم إن لكل جامعة سياستها الخاصة؟ وإذا كان الحال كذلك، فلماذا إذن كل برامج الابتعاث هذه؟ إنه سؤال يحتاج إلى إجابة عملية من قبل التعليم العالي، ومن الجامعات ذاتها، خاصة فيما يخدم أبناء المناطق، وعلى رأسها منطقة حائل بحكم أنها جامعة ناشئة بحاجة إلى أبناء المنطقة كما حاجة أبناء المنطقة لها.