تعيش معظم الملحقيات الثقافية السعودية في الخارج حالة انكفاء ثقافي على الذات، رغم وجود عدد محدود جدا من الطلبة السعوديين في بعضها

تعد وظيفة الملحق الثقافي من أهم الوظائف ذات الاعتبار الدبلوماسي بين الدول، لما لها من دور في تواصل الثقافات والشعوب، في الوقت الذي أزالت فيه العولمة جميع الحواجز بين المجتمعات، إلا أن ذلك لا ينفي أهمية هذه الوظيفة ودورها.
يوم السبت الماضي انطلق الملتقى السنوي السادس للملحقين الثقافيين السعوديين في 33 دولة حول العالم، كان التركيز فيه على أمور كثيرة تخص الجوانب التعليمية أكثر من الثقافية.
السؤال المطروح هو: ماذا يفعل الملحقون السعوديون في 33 دولة في العالم؟
ترتكز المهام الأساسية للملحق الثقافي في ثلاثة جوانب رئيسة: الأول هو الجانب الدراسي، والثاني هو الجانب العلمي، أما الثالث - محور هذا المقال - فهو الجانب الثقافي، وتتمثل أبرز المهام فيه بدعوة المبرزين في الفكر والثقافة في البلد المضيف لزيارة المملكة، ودعوة ذوي الفكر والثقافة من السعوديين للقيام بالأنشطة الثقافية والعلمية عن المملكة، وعقد وتنظيم المؤتمرات والأسابيع والمعارض الثقافية، والتعريف بالجوانب العلمية والثقافية والعمرانية للمملكة، والعمل على نشر الكتاب السعودي، والقيام ببعض الأنشطة الثقافية لمبدعين ومثقفين من البلد المضيف وتمكين السعوديين من المشاركة فيها، وحث الطلبة السعوديين على المشاركة في الأنشطة الثقافية والطلابية في الجامعات والمراكز العلمية التي يدرسون فيها.
هذا الأمر يقودني إلى سؤال آخر: هل انحسرت وظيفة الملحق الثقافي فقط بمتابعة الطلاب السعوديين المبتعثين في الخارج؟
من خلال الواقع المشاهد، نرى أن الملحقيات السعودية الفاعلة ثقافيا قد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة في كل دول العالم! وبالتالي فإن غالبية الملحقين الثقافيين غير قادرين على (التمثيل) الثقافي السعودي في الدول التي يعملون بها.
وباعتقادي أن ذلك يعود إلى سببين رئيسين: الأول، يتمثل باستهلاك العمل الإداري لطاقات الملحق مهما كان مثقفا ومبدعا، وذلك من خلال متابعة الطلاب ومتطلباتهم وقضاياهم وخطاباتهم، حتى إنني أعتقد بأن هذه المتابعة في أغلبها هدر للوقت والطاقة والإبداع، وبالتالي تلاشي معظم الفرص الثمينة للتواصل الثقافي، فالعبء في هذا الجانب ثقيل، حيث يقع على الملحقية فتنحسر الطموحات الثقافية.
أما السبب الثاني، وهو ذاتي لكنه مهم، يتمثل بكون علاقة بعض ملحقياتنا بالثقافة كعلاقة الذئب بدم يوسف الصدّيق! وهذا ليس عيبا بطبيعة الحال، فلكل شخص ميوله واتجاهاته وقدراته، فإن لم تكن التوجهات الثقافية لمن يقف على رأس هرم الملحقية نابعة من ذاتية واقتناع ورغبة واشتغال، فلن يكون وجها ثقافيا ممثلا للمملكة إن لم يكن مهتما بقضية التواصل الثقافي والإنساني، ولا يمكن مطالبته بالإبداع في هذا الجانب، وأزعم أن القدرة على التواصل الثقافي تدخل ضمن فن الممكن، فحضور وتنظيم المناسبات الثقافية والتفاعل معها هو بحد ذاته تمثيل ثقافي، لكن الشخص الذي لا يملك أساسا وآفاقا ثقافية واسعة لا يمكنه تجسيد التواصل والحوار الخلاق مع المثقفين وغيرهم سواء كانوا يمثلون الآخر أو بني جلدتنا، ولا سيما أن الثقافة بمفهومها الإنساني الشامل تعتمد على إدراك عميق للمشتركات الإنسانية بين الشعوب.
وعلى هذا الأساس الإشكالي قد تعيش معظم الملحقيات الثقافية السعودية في الخارج حالة انكفاء ثقافي على الذات، رغم وجود عدد محدود جدا من الطلبة السعوديين في بعضها، ومن ذلك الملحقيات في دول مجلس التعاون، وتلك المنزوية بعيدا في بلدان عربية وأجنبية أخرى.
من جانب آخر، هنالك ملحقيات أخرى تعيش تحت الضغط إذ تزداد عليها الأعباء مرتين في الجانب الثقافي والتعليمي، إذا ما كانت تعمل على تغطية دولة أخرى مختلفة لغويا أو ثقافيا عن الدولة مقر الملحقية.
إن الحل الأمثل - ربما - لتفعيل التواصل الثقافي في ملحقياتنا الثقافية يقوم على معيارين أساسيين: الأول، هو دقة الاختيار بحيث يكون الشخص المناسب في المكان المناسب، سواء بالنسبة للملحق أو بالنسبة للمسؤولين عن الشؤون الثقافية في الملحقية فليس العمل إداريا محضا، أما المعيار الثاني، فهو التركيز على الجانب الثقافي وذلك بتفويض مسؤولية متابعة المبتعثين والإجراءات المتعلقة بها لمساعد الملحق أو نائبه ليتخفف منها كعبء، وهذا لا يعني تهميش دوره على أي حال.
ثمة فرص عديدة ومميزة أمام الملحقيات الثقافية السعودية لتجسيد التواصل الثقافي (الحيّ) بين المملكة والبلدان الأخرى، ورغم سهولة الحصول على المعلومات وسهولة التواصل الإلكتروني بين الشعوب اليوم إلا أن هنالك أفرادا في مجتمعات أخرى لديهم أحكام مسبقة ومغلوطة عن المملكة وشعبها، فمن الضرورة بمكان إيصال رسالة - قد تكون بسيطة في مضمونها كبيرة في معناها - تتمثل بتجسيد (وجودنا) الحضاري من خلال التأكيد على أن لدينا رصيدا ثقافيا وإنسانيا غير البترول الذي تختزلنا فيه بعض الفئات.