SHRINK ينبهنا إلى الحذر من الأدوار الأحادية، وأن نحذر الاعتقاد أننا في مأمن من أن نصاب بما يصاب به الآخرون.. هل يريد الفيلم أن يشير إلى ضبابية الحدود التي نرسمها بين الثنائيات؟

كيفن سبيسي Kevin Spacey أحد رموز السينما الاستثنائيين اليوم. سبيسي الفائز بالأوسكار مرتين ممثل مختلف بمعان كثيرة.. فهو من جهة يكاد يكون متخصصا في الشخصيات المعقدة، خصوصا تلك التي تكون تركيبتها النفسية الغامضة محورا للعمل الفني، وطريقا للتعرف على تلك الشخصية. من جهة أخرى يختار سبيسي شخصيات مميزة جدا في الحياة الأميركية. خذ على سبيل المثال دوره في فيلم جمال أميركي American Beauty الذي حصل فيه على جائزة الأوسكار وقدم فيه دورا في غاية الأهمية والنقد للمجتمع والحياة في أميركا. مؤخرا قام سبيسي ببطولة العمل التلفزيوني المثير House of Cards ، والذي يقوم فيه بشخصية سناتور أميركي فاسد واسع التأثير. العمل يلقي الضوء على العلاقات التي يتحرك فيها المشرعون الأميركان. فرانسس أندروود بطل المسلسل شخصية واسعة لا يمكن اختصار حركتها تحت هدف واحد أو مؤثر واحد. المال وحده، السلطة وحدها، الحب، عقدة النقص، العدوانية، الأنانية...إلخ.. كلها لا تفسّر سلوك هذه الشخصية، كما أنها ليست خارج العوامل التي يمكن أن تفسّر هذه الشخصية. ربما نلقي مزيدا من القراءة على هذا العمل لاحقا. القراءة اليوم تتجه لعمل آخر.
في فيلمنا اليوم shrink أو حرفيا: المنكمش، وبالدارجة الأميركية تطلق على الأخصائيين النفسيين. يقدم لنا سبيسي شخصية مهمة جديدة، شخصية طبيب نفسي يعالج الناس، ولكنه يقع في ذات الوقت في أزمة نفسية يحتاج لمن يخرجه منها. هو من الأفلام المستقلة التي يأخذ فيها طاقم العمل الفني مداه الفني بعيدا عن الضغوط التجارية الهوليودية الصارمة. طالما كانت شخصية الطبيب النفسي التحليلي شخصية مثيرة للفضول، ولكنها في هذا الفيلم مفرطة في جلب الفضول، فهي تحمل من جهة العمق المتوقع في المحلل النفسي، كما تحمل في الجهة الأخرى المريض النفسي ذاته. أي إننا أمام المريض والطبيب في ذات الوقت. سبيسي قادر على أداء الأدوار المعقدة كما قلنا في المقدمة، ولذا فإن هذا الفيلم ميدانه المفضل. بعض المحللين يربطون هذه القدرة لدى سبيسي بطفولته الصعبة من جهة وبتجربته العسكرية من جهة أخرى، ولكن يجب أن نقول هنا إنه قبل هذا كله يبدو لدى هذا الرجل قدرة معرفية للوصول إلى أعماق الشخصية الإنسانية وفهمها والاقتراب منها، مما يخوله في النهاية لتقمصها وأدائها.
حسب تعريف موقع IMDb فإن سبيسي نفسه شخصية غامضة، فقد أبقى تفاصيل حياته الخاصة بعيدة عن الإعلام. فلسفته في ذلك مثيرة للاهتمام. يقول كلما كانت المعلومات المتوفرة عنك أقل كان ذلك عاملا مساعدا في إقناع المشاهدين بدورك في الأعمال الفنية. من السهل حينها أن يعتقد المشاهد أن الشخصية الفنية قريبة من الشخصية الحقيقية. هذه فكرة مثيرة للاهتمام، خصوصا إذا تذكرنا أن تماهي الممثل مع الشخصية والأحداث، وتماهي المشاهد مع السياق هو هدف جوهري للعمل الفني.
مع الطبيب النفسي هنا نذهب في رحلة لمعاناة إنسانية قاسية لم يكن الطبيب الذي اعتاد على علاج الناس يتوقعها في يوم من الأيام. احتاج الطبيب للكثير من الألم ليعترف بأن المعادلة انقلبت وأنه الآن لا بد أن يلعب دور المريض. مخرج العمل Jonas Pate استطاع أن يقدم هذه القصة المعقدة في سياقات طبيعية، ولم يلجأ إلى مشاهد غير واقعية، أي إنه لم يلجأ للأسلوب الذي يطرحه بعض المخرجين لتقديم الحالات النفسية المعقدة من خلال أحداث خارقة للطبيعة ولا يمكن تفسيرها في السياق الطبيعي. هنري كارتر (اسم بطل الفيلم) كتب في يوم من الأيام كتابا عن ماهية السعادة، وتخصص في علاج مشاهير هوليود ولكنه اليوم، وهو كاتب الكتاب، يحتاج للتعامل معه من جديد، فكما أن عليه أن يلعب دور المريض، فهو أيضا ملزم بلعب دور القارئ.. دور القارئ للنص الذي كتبه. هذا الدور ليس بالسهل. أغلب الكتاب لا يحبون قراءة ما يكتبون، وكثير من المغنين لا يستمعون لأغانيهم. أغلب الناس لا يستمعون لما يقولونه هم. إذا كانت هذه هي الحال فيبدو أن الآخرين هم طريقنا لمعرفة ذواتنا. وربما هذا ما سيحدث مع هنري الطبيب/المريض النفسي.
هل يقول الفيلم لنا إننا يجب أن نحذر الأدوار الأحادية، وأن نحذر الاعتقاد أننا في مأمن من أن نصاب بما يصاب به الآخرون؟ هل يذكرنا هذا الفيلم بحقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يكون أحادي الاتجاه. إن كنت معلما فأنت أيضا طالب، وإن كنت أبا فأنت أيضا ابن. إن كنت كبيرا فأنت أيضا صغير.. تذكر هذه الثنائية سيجعلنا أكثر فهما وتفهما للآخرين. هل يريد الفيلم أيضا أن يشير إلى ضبابية الحدود التي نرسمها بين الثنائيات؟ هل يريد أن يقول لنا إن الإنسان هو مكان اجتماع كل الثنائيات وكل المتناقضات؟
ربما هذه النظرات الأحادية ليست إلا قوالب تحجب أكثر مما تكشف. لنلاحظ التعاريف التي يقدم الناس بها أنفسهم: دكتور، إعلامي، شيخ، ممثل... إلخ. أعتقد أننا سنخطئ بعمق لو اعتقدنا أن هذه العناوين يمكن أن تعبّر وحدها عن حامليها. الأقرب للواقع، كما مع بطلنا هنري، أن هذه العناوين تبعدنا أكثر وتحجب عنّا أبعادا أوسع للشخصيات التي نحاول فهمها. أولئك الذين حجبوا هنري في قالب المعالج النفسي عجزوا عن رؤية هنري المحتاج لمعالج نفسي. حكاية هنري تحيلني مباشرة إلى أغنية لفيروز ربما التقت مع الفيلم في أحد معانيه. تقول الأغنية أسامينا، شو تعبو أهالينا تلقوها، شو افتكروا فينا.. الأسامي كلام، شو خص الكلام، عينينا هنّي أسامينا.. إحالة الشاعر جوزف حرب للعين بدلا من الاسم كطريق للإنسان هي إحالة للجوهر بدلا من الشعار والعنوان. العين... يبدو أنها لا تكذب.