المملكة تفوقت على معظم دول العالم في مقدار انفتاح أسواقها للاستثمار الأجنبي، في الوقت الذي تقوم فيه أميركا باتباع أكثر من 246 طريقة من الطرق الحمائية المشوهة للتجارة، والدعوة لشراء المنتجات الأميركية دون غيرها

قد لا نلوم أميركا لتسلطها المطلق على دفة العولمة، لكونها الدولة الوحيدة التي أصبحت تصول وتجول في ميدان النظام العالمي الجديد دون مساءلة، بسبب تقاعس وغياب الدول النامية عن مصالحها من جهة، وتجاهل وانشغال الدول المتقدمة في مشاكلها الاقتصادية الداخلية الراهنة من جهة أخرى. ولكننا نلوم أميركا لأن (تقاريرها) الخاطئة تؤكد مجددا أن (خبراءها) أصبحوا على يقين بأننا نخلد في سبات عميق ولن نتجرأ على مواجهتهم وكشف أخطائهم، حتى لو كانت اتفاقاتنا معهم موثقة من قبلهم ومعتمدة نظاما في المحافل الرسمية.
في الأسبوع الماضي أصدر مكتب الممثل التجاري الأميركي تقريره السنوي عن تجارة أميركا الخارجية في العام الجاري. وبالرغم من أخطائه الفادحة، سارعت وسائل الإعلام العالمية والعربية، بما فيها الصحف السعودية، إلى نشر محتوياته، التي تضم قائمةً بأسماء 58 دولة، من ضمنها المملكة، اتهمتها أميركا بإعاقة صادراتها واستثماراتها الخارجية وانتهاك حقوق الملكية الفكرية. وأكد التقرير على ضرورة اتخاذ الحكومة الأميركية كافة الإجراءات اللازمة لإزالة هذه المعوقات، التي تقف أمام صادراتها في الأسواق الخارجية.
بالنسبة للمملكة، حدد التقرير 7 من المعوقات، مستشهدا بانخفاض الرسوم الجمركية الخليجية الموحدة إلى مستوى 5%، بينما ما زالت المملكة تفرض نسبة 12% إلى 20% على 294 سلعة أخرى ذات الحساسية الاقتصادية، إلى جانب فرض نسبة 100% من الرسوم الجمركية على منتجات التبغ ومشتقاته، مع الاستمرار في حظر استيراد 81 سلعة محرمة شرعا. ولقد تناسى (خبراء) مكتب الممثل التجاري الأميركي أن المادة 24 (أ) من اتفاقية جات الخاصة بتجارة السلع، منحت دول الاتحاد الجمركي كامل الصلاحية لفرض رسومها الجمركية على وارداتها الخارجية بنسب أعلى مما هو قائم بين دول الاتحاد، وذلك طبقا لمبدأ الاستثناء من حق الدولة الأولى بالرعاية الممنوح لها في المادة الأولى من اتفاقية إنشاء المنظمة والمتفق عليها بين كافة الدول الأعضاء بتاريخ 1/1/ 1995. كما يتفق هذا النهج تماما ما تطبقه كافة الدول الأعضاء في الاتحادات الجمركية الأخرى، بما فيها أميركا، تمشيا مع أحكام المادة 24 (ب) من اتفاقية جات. أما بالنسبة للسلع والخدمات المحرمة شرعا، فإن المملكة حصلت على حقها المطلق في حظرها تطبيقا لشريعتنا السمحاء وطبقا لنص المادة 20 من اتفاقية جات والمادة 16 من اتفاقية جاتس الخاصة بتجارة الخدمات.
أيضا أخطأ التقرير في اتهامنا باستخدام تراخيص الاستيراد للحد من تدفق بعض السلع في أسواقنا، مثل الأسلحة النارية والمتفجرات والملابس المستعملة وقطع الغيار والحيوانات الحية والبذور الزراعية، والمنتجات التي تحتوي على الكحول والمواد الكيميائية والمنتجات الصيدلانية، وأجهزة الاتصال اللاسلكية والأسفلت، والتحف الأثرية والكتب والدوريات ووسائل الإعلام السمعية والمرئية. ولقد تناسى (خبراء) المكتب الأميركي أن المادة 3-5 (و) من اتفاقية ترخيص الاستيراد منحت الدول الحق في استخدام هذه التراخيص بعد إصدار أنظمتها. لذا صدر قرارا مجلس الوزراء رقم 84 وتاريخ 1/ 4/ 1421 ورقم 88 وتاريخ 6/ 4/ 1423، لتأكيد حرصنا على استخدام هذه التراخيص نظاما، كما ورد في الفقرة 129 من وثائق التزاماتنا بالمنظمة.
وتمادى التقرير بفداحة أخطائه عندما اتهمنا بالتراجع عن التزاماتنا الخاصة بتطبيق اتفاقية المشتريات الحكومية واستمرارنا في منح الأفضيلة للشركات السعودية والسلع والخدمات الوطنية على مثيلاتها الأجنبية. وهنا نلفت انتباه (خبراء) المكتب الأميركي للفقرة رقم 231 من الاستثناءات النظامية التي حصلنا عليها، والتي أكدت صراحة بأن المملكة لن تقوم بتطبيق هذه الاتفاقية حتى تتأكد من مصلحتها لاقتصادياتها. إضافةً لذلك فإن هذه الاتفاقية ليست من الاتفاقات الإلزامية على الدول النامية، حيث لم تلتزم بها سوى الدول المتقدمة و3 دول نامية فقط وهي هونج كونج وسنغافورة وجنوب كوريا.
واستمر التقرير في أخطائه الفادحة بتوجيه اللوم على معوقات الاستثمار الأجنبي في المملكة، لأنها تقف عثرة أمام دخول الشركات الأميركية إلى السوق السعودي، مثل تحديد نسبة الملكية الأجنبية في المصارف التجارية بما لا يزيد على 60%، وحظر الاستثمار الأجنبي في 16 قطاعا للتصنيع، والخدمات، والقطاعات الفرعية، بما في ذلك التنقيب عن النفط، والحفر، والإنتاج، والتصنيع، والخدمات المتعلقة بالنشاط العسكري. ولعل (خبراء) المكتب الأميركي لم يطلعوا على وثيقة التزاماتنا في قطاع الخدمات الصادرة برقم (WT/ACC/SAU/61/Add.2) وتاريخ 1 نوفمبر 2005، والمتفق عليها مع جميع الدول الأعضاء بما فيها أميركا، والتي حددت نسبة ملكية الشريك الأجنبي في البنوك السعودية بما لا يزيد على 60%، وأكدت على حظر الاستثمار الأجنبي في الخدمات المذكورة مع إمكانية فتحها تدريجيا في المستقبل بما يتلاءم مع السياسات الاقتصادية السعودية.
بقي أن نلفت انتباه (خبراء) مكتب الممثل التجاري الأميركي إلى أن المملكة، بعد 5 سنوات من انضمامها للمنظمة، تفوقت على معظم دول العالم في مقدار انفتاح أسواقها للاستثمار الأجنبي، لتحتل المرتبة الأولى بين دول الشرق الأوسط والمركز 8 بين دول العالم، وأصبحت في مقدمة دول العالم بنسبة تجارتها الدولية لناتجها المحلي. هذا في الوقت الذي تقوم أميركا من خلاله باتباع أكثر من 246 طريقة من الطرق الحمائية المشوهة للتجارة، والدعوة لشراء المنتجات الأميركية دون غيرها، واعتماد وسائل الدعم الزراعي المحظور نظاما، كما جاء رسميا في تقرير منظمة التجارة العالمية عن السياسات التجارية الأميركية الصادر في 29 سبتمبر 2012.
ما هكذا تورد تقارير (الخبراء) يا أميركا.