'المثقف المصارع' يعبر عن صراع لا معرفي باسم المعرفة، يعمل الناقد فيه على إخفاء منقوده وطرده من المساحة التي يوجد فيها، بدلا من إحضار منقوده والتواصل معه

الأخلاق ضرورة لأي تجمع إنساني يطمح أفراده لتحقيق مستوى من العدالة للجميع. في حال عدم الحرص على الشرط الأخير العدالة، فإن قانون القوّة والغلبة هو الذي سيهيمن على علاقات هذا التجمع. موضوعنا هنا ليس الأخلاق بعمومها كشرط للتجمع البشري الآمن، ولكنه محصور في تجمع خاص يمكن تسميته بالمجتمع المعرفي. أي عن الأخلاق داخل مجتمع المعرفة. ما أعنيه هنا بمجتمع المعرفة أوسع من الحقل الأكاديمي أو جماعة الباحثين العلميين. هو يتسع لكل المشتغلين بالمعرفة إنتاجا أو تداولا سواء في المجال الخاص أو العام. وباعتبار أن الأخلاق متعلقة تحديدا بالعلاقات، فإن ما أعنيه بالأخلاق في المجال المعرفي هي القيم التي تضبط علاقة الأفراد ببعضهم وعلاقتهم بالأفكار التي يتداولونها.
محل هذه الأخلاق هو التأليف والتدريس والجدل والحوار وكل سلوك متعلق بإنتاج للمعرفة أو تداول لها. ما يدفعنا لتأكيد موضوع الأخلاق في المجتمع المعرفي عن غيره من التجمعات، هو أنه يبدو أن هناك حسا ولو مضمرا بأن مساحة الإنتاج المعرفي هي مساحة يجب أن تكون حرة بالكامل، وأن ضبطها بقيم أخلاقية معينة سيعيق حرية التفكير والتعبير. لهذا التخوف ما يبرره بالطبع باعتبار أن حرية التعبير والتفكير قد أعيقت وما تزال في التاريخ البشري باسم احترام قيم وآداب معينة نعرف اليوم أنها كانت مجرد حاميات لمنافع ومصالح فئات معينة من المجتمع. لكن في المقابل سأجادل هنا أن حرية التعبير والتفكير هي ذاتها ما يجعل من القيم الأخلاقية ضرورية للمجتمع المعرفي، باعتبار أن تحلل هذه القيم أوالتخلي عنها سيحيل مجتمع المعرفة إلى مجتمع محكوم بمعايير القوة والسلطة والغلبة، وهذا هو الخطر الأكبر على حرية التعبير والتفكير. على سبيل المثال، قيمة أخلاقية أساسية كقول الصدق، لا أظنه يمكن أن تقوم للمجتمع المعرفي قائمة بدون توافرها. الكذب يكسر مبدأ جوهريا للبحث المعرفي، وهو تعبير الباحث عما يراه فعلا، أو عما أوصلته إليه أدواته البحثية. أيضا التخوف من القيم الأخلاقية على حرية التعبير والتفكير ربما أغفل أن حرية التعبير والتفكير هي عملية تواصلية بين الباحثين، وأن هذا التواصل لا بد أن تتوافر فيه شروط معينة ليتحقق. بدون قيم أخلاقية القطيعة هي الاحتمال الأقرب والأكثر واقعية. المقصود هو قيم أخلاقية تعمل على حماية حرية التعبير والتفكير وتوفر أجواء مناسبة للحوار والتواصل.
للتفكير في هذا الموضوع بشكل أكثر وضوحا، سأفكر في شخصية المثقف المصارع. هذا المثقف موجود في أماكن مختلفة، هو موجود كمؤلف وكاتب وأستاذ في الجامعة أو في المدرسة وفاعل في شبكات التواصل الاجتماعي. من خلال هذه الشخصية يمكن أن نتعرف على إشكالات عميقة أخلاقية، وكذلك على أثر هذه الإشكالات على عملية التواصل المعرفي، وإمكانية تكوين مجتمع معرفي من الأساس. هذه الشخصية لا تخص إنسانا بعينه بقدر ما هي سمة تتحقق في كثير من الأشخاص عند التقائهم بالمعاني أو الأفراد. كنت استخدمت أوصافا أخرى لهذه الشخصية، لكن يبدو أن وصف المصارع هو الأدق حتى الآن. استخدمت سابقا المثقف الشتائمي بناء على المبدأ التالي الحكم الإيجابي الذي يصدره الفاعل المعرفي بدون برهان ومحاججة ليس إلا تطبيلا، والحكم السلبي الذي يصدره الفاعل المعرفي بدون محاججة وبرهان ليس إلا شتيمة. وباعتبار أن هناك وعيا متزايدا تجاه المثقف المدّاح أو الطبل، فإن المثقف الشتائمي وبسبب مواقفه ذات المظهر النقدي الخارجي قد يبدو جذابا والوعي تجاه شتائميته أقل. هذا المثقف قد يبدو ثائرا وناقدا وصادعا بالحق، لكنه في مضمونه يقدم حالة لا تواصلية سأتحدث عنها بالتفصيل لاحقا. الوصف الثاني كان المثقف الملاكم الذي لا يتعامل داخل حلبته إلا باللكمات. مثقفنا الملاكم متحفز ومتوتر ويلاكم خصومه باستمرار من خلال تحوله إلى آلة لإصدار أحكام سلبية دون أن ينخرط في التواصل المعرفي من خلال تقديم عقلنة لهذه الأحكام تكون هي ساحة التواصل بينه وبين الآخرين. شايع الوقيان اقترح عليّ وصف المصارع باعتباره أقرب لحالة العراك الشامل من وصف الملاكم. أظنه على حق. كذلك وصف المصارع أقرب للدقة باعتبار أن الملاكمة محكومة بقوانين يعيها الملاكمون والجمهور في ذات الوقت، وهذا ما لا يتحقق في حالة المثقف المصارع، إذ يتضاءل الوعي بطبيعة الصراع وتجاوزه للتواصل المعرفي لحالة أقرب لصراع القوى المتوحشة لا صراع المضمون المعرفي.
قبل الدخول في وصف حالة المثقف المصارع من الضروري التمييز هنا بين نوعين من الصراع في الساحة الفكرية. النوع الأول: هو الصراع بين الأفكار أو حاملي هذه الأفكار حول تقديم أحكام أو معان أقرب لما يرونه معيارا للحقيقة أو الموثوقية أو الدقة المعرفية. هذا الصراع محكوم بمعان أخلاقية تفرض على الجميع احترام حق الجميع في مشاركة مفتوحة وآمنة وحرة في المجال المعرفي. الصراع الآخر: وهو ما يعبر عنه المثقف المصارع هو خارج هذه الحلبة وإن كان باسمها. أي أنه صراع لا معرفي باسم المعرفة. بمعنى أنه صراع أحكام بدون براهين. هذا الصراع يعمل الناقد فيه على إخفاء منقوده وطرده من المساحة التي يوجد فيها بدلا من إحضار منقوده والتواصل معه. في المقالات القادمة سأحاول وصف هذه الحالة والاقتراب منها أكثر لفهمها أكثر. هذه المقالات هي محاولة تواصل مع المثقف المصارع، الذي هو بشكل أو بآخر جزء منا، نعترف به أحيانا وننكره أحيانا أخرى، نعي وجوده تارة ويقبع في لا وعينا تارات أخر.