شخصية الحاكم الحذق هي القريبة من أنفاس الناس، تتوخى قربهم وترعى مشاكلهم وترصد احتياجهم وتعي اختلافهم، لا تغضب من المخالفة في الرأي ولا تبحث عن التطبيل والثناء ولا تنتظر أن تسمع كلمة 'الشيوخ أبخص'

لم نكن بحاجة لنتعرف على فصيلة دم ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أو لون هذا الدم، لأننا نعلم يقيناً أنه يشترك مع كثيرين في نفس الفصيلة وأنه يتشارك مع كل إخوانه السعوديين في لون دمائهم الحمراء.
لكن رغم ذلك فإن هذه اللفتة الذكية قد وردت في سياق الكلمة المرتجلة للأمير سلمان بن عبدالعزيز عندما حل ضيفاً على الشيخ عبدالرحمن فقيه في حضور العديد من أعيان ووجهاء مكة المكرمة.
هكذا هو الأمير سلمان بن عبدالعزيز.
وهكذا هي عادته التي دأب عليها وترسمت بها شخصيته وصارت علامة فارقة في سلوكه، وهي قربه الحميم من الناس ومزاورتهم وتطارح الآراء معهم.
عُرف الأمير سلمان ببراعته في تجسير العلاقة مع المواطنين وتكسير الحواجز وإذابة الفوارق وتقريب وجهات النظر بما يجعله علماً ومعلماً في مدرسة العلاقات العامة.
هذا ما تجسد في اللقاء الحميم الذي انعقد قبل أيام من لدن الوجيه عبدالرحمن فقيه، ففي هذا اللقاء الدافئ مارس الأمير سلمان بن عبدالعزيز براعته المعتادة عندما تحدث بصوت المواطن المحب لهذا الوطن من أطرافه العليا حتى حدوده الدنيا ومن يمينه حتى شماله.
تحدث الأمير سلمان وهو متحسس لنبض الناس ووقع ما يحدث في الجوار من تشرذم وفتنة وما تجره التحولات التراجيدية من قلاقل، كما أشار في حديثه لكثير من الاجتهادات الخاطئة في كثير من البنى التحتية للوطن وما أورثته من تداعيات في حوادث سيول جدة وغيرها، لكنه شدد كثيراً على عدم التمايز بين الحاكم والمحكوم بما لا يسمح بإقامة الحواجز بين أصحاب القرار والمواطنين.
لقد سنحت لي الفرص أن أحضر مثل هذه الملتقيات المنزلية التي يغشاها الأمير سلمان مرات عديدة، والتي تتمثل فيها كل الأطياف من العلماء والمثقفين والنشطاء ورجال الأعمال والإعلاميين وغيرهم.
إحدى المرات كانت في منزل الدكتور أحمد بن عثمان التويجري، وكان الحوار ساخناً حتى مع برودة طقس الرياض في ذلك الحين.
ابتدر الدكتور أحمد اللقاء بكلمة ترحيبية موجزة ثم استأذن الأمير في فتح باب النقاش وأن يكون الحوار بلا سقف وبلا حواجز، وقد كان ذلك كذلك، حيث أصغى الأمير سلمان برحابة صدر إلى كل تحفظات الشيخ ناصر العمر على بعض ما قد يراها تجاوزات دينية في بعض القرارات الحكومية، واستمع إلى كل تساؤلات الدكتور حمد الماجد عضو الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان حول ملف المعتقلين الشائك.
كما أنه بالمقابل استمع إلى وجهات بعض المثقفين حول قيادة المرأة وحول بعض حقوقها.
ولم يفت بقية الضيوف الحديث عن كثير من الهموم العامة مثل الإسكان والبطالة ومجلس الشورى وغير ذلك.
وكان الأمير الفضفاض في كل ذلك مستمعاً منصتاً يرد على بعض ما يعلمه ويرجئ النظر في بعض الاقتراحات إلى حين ميسرة، ويعد بالرفع إلى المقام السامي في غير موضوع.
إن شخصية الحاكم الحذق هي القريبة من أنفاس الناس، تتوخى قربهم وترعى مشاكلهم وترصد احتياجهم وتعي اختلافهم، لا تغضب من المخالفة في الرأي ولا تبحث عن التطبيل والثناء ولا تنتظر أن تسمع كلمة الشيوخ أبخص أو كله تمام يا فندم، بل تدرك أن كل عارف وكل صاحب معاناة أبخص بحاله، وهذا هو سر تميز الأمير سلمان بن عبدالعزيز الذي لم يركن إلى مكاتب العلاقات العامة ومديري المراسم وحاملي المباخر، ولكنه يذهب بنفسه إلى المصب ويتلقى المعلومة الصحيحة من المنبع، وهو المواطن نفسه بلا حواجز أو فروقات.
هذا هو الأمير سلمان بن عبدالعزيز، عراب العلاقات العامة ورجل الحوار الأول وسادن التاريخ المحلي، وهو الحاكم المنضبط الصارم في مواعيده، الملتزم في دوامه، الذي يمارس كسر الحواجز بينه وبين كافة طبقات المواطنين في كافة المناطق من كل المذاهب وكل القبائل، يعرفهم ويعرفونه، وهو الذي يشترك معهم في نفس لون الدماء الحمراء ونفس الهموم في وطن تظلله خيمة المحبة والتراحم والإخلاص.