أي سلام لا يحقق الأمن هو سلام ناقص، والسلام بالنسبة لنا نحن العرب لن يتحقق إلا بتوافر الأمن، وهو شرط لاستكمال حقوقنا وسيادتنا التي هي رهن بإعادة الاعتبار لمفهوم الأمن القومي

الأمن والسلام هدفان رئيسيان للبشرية، منذ بدأ الاجتماع الإنساني، وبدون توافرهما تسود شريعة الغاب، وتنتهك الأعراض والكرامة الإنسانية. وكانت المعارك والحروب تخاض في الغالب من أجل توفير عمق أكبر من الأمن والسلام للمنتصرين. وبالمقابل، يمثل غيابهما في المجتمعات الإنسانية عنصر تحريض للتعاضد والتكاتف والكفاح من أجل تحقيقهما.
بالعصر الحديث نشأت تكتلات وأحلاف عسكرية، وهيئات إقليمية ودولية، لتوفير عالم أكثر أمنا وسلاما. وكان الطموح بانتفاء استغلال الإنسان للإنسان، وحق البشر في المأوى والتعليم والعلاج أحد محرضات السعي لقيام علاقات دولية، تستند على التكافؤ والعدل. وجرى التعبير عن هذه القيم في جملة من الوثائق، وأكدها قيام عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، وهيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
هذه المقدمة، تقودنا إلى حدثين أخذا مكانهما في المنطقة العربية خلال هذا الأسبوع. وأهميتهما هي في دلالاتهما، وعلاقتهما بقضيتي السلام والأمن. الأول مسرحه سيناء، حيث قام الجيش المصري بعملية عسكرية محدودة، بهدف تحرير الجنود المصريين الذين اختطفوا أثناء عودتهم من إجازة إلى وحدات الخدمة الخاصة بهم، وعملية إلقاء القبض على الخاطفين مستمرة .
في هذا السياق، أفادت وزارة الداخلية المصرية أن المخابرات العامة والأمن الوطني والمخابرات الحربية شاركوا في هذه العملية. وقد أدت لإطلاق سراح الجنود المختطفين في سيناء، لكنها قد لا تعني طيا لباب عمليات التخريب، فالحدث كما رآه كثير من المحللين السياسيين، هو نتاج لتجاهل مشكلات كثيرة في سيناء، أهمها غياب التنمية، وانتقاص الحقوق السياسية والاقتصادية، وضعف الخدمات الصحية والتعليمية، ومتطلبات العيش الكريم. وهي شروط لازمة لتحقيق السلام والأمن.
والحديث عن سيناء والسلام والأمن، وغياب التنمية لا يمكن فصله، عن النتائج التي تمخضت عن توقيع اتفاقية السلام بين الكيان الصهيوني وجمهورية مصر العربية، في نهاية السبعينات من القرن المنصرم، والتي عرفت بمعاهدة كامب ديفيد، فالصهاينة، اعتبروا توقيع هذه الاتفاقية مبادلة للأرض مقابل السلام. بمعنى أن الصهاينة تنازلوا عن شبه جزيرة سيناء، التي لم تكن في الأصل ملكا لهم. نصوص هذه المعاهدة، لم تكن مجرد مبادلة للأرض مقابل السلام، بل هي أيضا حرمان لمصر من الأمن وممارسة كامل سيادتها على أراضيها. ولا يمكن تجاهل نتائجها على ما جرى مؤخرا في سيناء. فحرمان الدولة من بسط كامل سيادتها على أراضيها، جعل من سيناء مرتعا للمخربين، وذلك ما لم يتحسب له الرئيس المصري الراحل أنور السادات أثناء توقيعه كامب ديفيد.
لقد قسمت سيناء، وفقا لاتفاقية كامب ديفيد إلى ثلاث مناطق. الأولى، شرق قناة وخليج السويس، يسمح فيها للقوات المسلحة بالتواجد بأسلحتها الثقيلة، شريطة ألا يتجاوز عددها ثلاثة ألوية مشاة، ولواء مدرعا واحدا، وسبع كتائب ميكانيكية، وسبع كتائب مدفعية مضادة للطائرات، وألا يتجاوز تسليحها 126 قطعة مدفعية، و126 مدفعاً مضاداً للطائرات، و230 دبابة، و480 مركبة أفراد. أما الثانية، فوسط سيناء، يُسمح فيها بالتواجد لأربع كتائب من قوات حرس الحدود، مجهزة بأسلحة خفيفة ومركبات. الأخيرة هي الحدود المتاخمة لحدود مصر الدولية بعمق 20 كيلومترا، ترابط فيها قوات متعددة الجنسيات، ويحظر فها أي تواجد للقوات المسلحة المصرية، حيث يقتصر التواجد فيها على شرطة مدنية مسلحة بأسلحة خفيفة. ذلك يعني، بداهة، أن خط الدفاع الأول عن مصر قد نقل إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، بما يعني حرمانها من الأمن.
وفي الأحداث الأخيرة، التي ذكرناها، وجدت القيادة المصرية نفسها، مضطرة لاستجداء دخول قواتها لأراض، هي بحكم منطوق القانون الدولي أراض تابعة لها، بما يعني أن مصر سوف تبقى، طالما بقيت نصوص كامب ديفيد رهن التنفيذ، رهينة للقبول الإسرائيلي، بدخول الجيش المصري إلى سيناء. وهو يعني أيضا أن إسرائيل شريكة في السيادة على أراض مصرية.
الحدث الثاني، الذي أخذ مكانه هذا الأسبوع، تمثل في إعلان الجيش الإسرائيلي، عن بدء مناورات واسعة بعدة جهات مختلفة تستغرق أسبوعًا تحت شعار حماية الجبهة الداخلية في إسرائيل وكيفية التعامل مع سقوط الأسلحة الكيماوية. وهي استكمال لمناورات جرت على التوالي في السنوات السبع التي مضت، في مثل هذا التوقيت من كل عام. وقد ذكرت مصادر عسكرية إسرائيلية، أن هذه المناورات شملت إجراء تمرينات مختلفة شاركت فيها كافة المؤسسات الأمنية المعنية، وتركزت على كيفية التعامل مع حدث عسكري غير تقليدي. إن هذه المناورات، كما أشار المصدر العسكري الإسرائيلي، هي الأولى من نوعها منذ سنوات، وتحاكي آليات العمل إثر سقوط صواريخ تحمل رؤوسا كيماوية وانتقال العدوى نتيجة ما تحمله من مواد كيماوية. وقد أطلقت خلال هذه التمرينات صفارات الإنذار بمختلف أنحاء الكيان الصهيوني، إضافة إلى عمليات الإخلاء والتأكد من صلاحية الملاجئ، وطلب من الإسرائيليين كافة دخول الغرف الآمنة في منازلهم وشققهم السكنية لدى سماع الصافرات. وحملت هذه المناورات اسم نقطة تحول 7، وتعد من أضخم المناورات التي نفذها الجيش الإسرائيلي.
تأتي هذه المناورات، بعد أن وسعت إسرائيل، من أذرعتها، لتمتد إلى الجمهوريات التي انفصلت عن يوغوسلافيا السابقة، حيث تحتل علاقتها مع كوسوفو المرتبة السادسة، بعد الأميركان وكندا وأستراليا وكولومبيا وتركيا، من الناحية التجارية. ويعزز الصهاينة، مواقعهم في جنوب السودان ودارفور، وتتوسع محاولاتهم على التواجد في القرن الأفريقي، حيث يتنافسون مع الإيرانيين في ذلك. وهناك تقارير موثقة، عن تواجد الموساد فوق الأراضي العراقية.
خلاصة الحديث هو ترابط مفهوم السلام بالأمن، فأي سلام لا يحقق الأمن هو سلام ناقص. والسلام بالنسبة لنا نحن العرب، لن يتحقق إلا بتوافر الأمن، وهو شرط لاستكمال حقوقنا وسيادتنا، التي هي رهن بإعادة الاعتبار لمفهوم الأمن القومي، وتفعيل المواثيق والاتفاقيات التي يحفل بها أرشيف جامعة الدول العربية. فتلك وحدها القادرة على تفعيل المزاوجة بين السلام والأمن وجعل مجتمعاتها العربية، أكثر رخاء وبهجة.