النقد المعرفي في عمقه حالة تواصل من خلال حضور المنقود حضورا أمينا في خطاب الناقد. الناقد المصارع هو حالة قطيعة لهذه العملية من خلال حجب صوت منقوديه في خطابه وإحضارهم فقط من خلاله

أستكمل في هذه المقالة وصف سلوك المثقف المصارع. كما في المقالات الثلاث السابقة، المثقف المصارع يظهر هنا دائما وسط علاقة ما، فالصراع بطبيعته علائقي. في المقالة الأولى أسسنا هذا الوصف على منظور أخلاقي تواصلي حواري، بمعنى العمل على ملاحظة حضور المثقف المصارع داخل شبكة التواصل في مجتمع المعرفة الذي ينتمي له. كذلك في المقالة الثانية قمت بوصف لطبيعة الأحكام التي يطلقها المثقف المصارع وأين تكمن المصارعة فيها. في المقال الثالث لاحظت سلوك هذا المثقف وعلاقته بهوية منقوديه والعنف الذي يمارسه على هذه الهوية. اليوم أفحص حضور منقودي المثقف المصارع في خطابه.
أول ما يتعلّمه طلاب الفلسفة كشرط لتحصّل ما ينتجونه على معنى وقيمة فلسفية، هو إحضار منقوديهم في كتابتهم بإخلاص وبأحسن حالة يمكن لهم أن يحضروا بها. يتعلم طلاب الفلسفة وطلاب كل بحث علمي جاد مبكرا ألا ينقدوا أحدا حتى يعرضوا ما قال من مصدره الأصلي، كذلك يتعلمون أن يبذلوا الجهد في احترام وفهم منقوديهم والعدل معهم في نقدهم. فعل الناقد يأخذ قيمته بعد تحقيق هذه الشروط لا قبلها. من ضمن المغالطات التي يتعلّم طلاب الفلسفة تجنبها مغالطة رجل القشّ والتي تعني أن تبني صورة وهمية لمنقودك ثم تهاجم هذه الصورة وتنتصر عليها في معركة وهمية. المثقف المصارع يحقق بطولات مستمرة وهمية من خلال إخلاله بالشروط السابقة، وتحديدا من خلال إخفاء منقوديه وطمس وجودهم إلا باعتبارهم كائنات ينتصر عليها.
النقد الذي يُحضر الناقد فيه منقوديه بأمانة هو نقد تواصلي. بمعنى أنه النقد الذي يجد فيه القارئ والمتابع حضورا طبيعيا للجدل حول القضية يحضر فيه أطرافها بشكل معقول، مما يجعل منه أمام إمكانية الاختلاف مع الناقد وفحص نقده وتقييمه. في التراث الإنساني نعرف اليوم القيمة الكبيرة لهذا النوع من النقد الذي يحفظ لنا آراء لأفراد وجماعات خالفوا السائد ولم يكن لهم الاستمرار ولو بشكل غير دقيق إلا من خلال التزام ناقديهم ومحاوريهم بإحضارهم وإحضار مقولاتهم. لذا نجد في الصراع العقائدي حرصا من المتعصبين على التخلص من هذه العملية بحجة ألا يكون النقاد بوابة يعبر منقودوه للناس من خلالها. المثقف المصارع يعمل على إغلاق هذه البوابة ليصبح حجابا وعازلا بين قارئيه ومنقوديه.
ساحتنا الثقافية مليئة بهذا النوع من السلوك، بل قد يمكن القول إن هذا هو السلوك السائد. من الأمثلة الشهيرة على هذه الحالة كتابات ومحاضرات د. عبدالله الغذامي عن الليبراليين السعوديين. الرجل كتب مقالات وألقى محاضرات وخرج في لقاءات تلفزيونية لينفي وجود جماعة تسمى الليبراليون السعوديون. يقول الغذامي إنه قام بعملية إحصاء لمن يقدمون أنفسهم على أنهم ليبراليون وفحص أعمالهم ليخرج بحكم نفي لوجود ما يمكن تسميتهم ليبراليين سعوديين. يهمنا هنا أن نلاحظ أنه على طول هذه النقاشات والكتابات لم يذكر الغذامي اسم واحد من هذه المجموعة التي فحصها ولا كلمة واحدة من الأعمال التي اختبرها لنخرج معه بعملية إخفاء عميقة لمنقودي الغذامي. هذه حالة نموذجية لسلوك المثقف المصارع، حيث يتصدى لسؤال وجود مجموعة ثقافية من عدمه بدون حتى أن يشير إلى أفراد هذه المجموعة أو شيء من كتاباتهم لنصل في الختام إلى مجموعة لا نعرف عنها شيئا، وأحكام مطلقة في الهواء على أفراد لا نعرفهم، ليبقى في الصورة ذات واحدة لا شريك لها، هي ذات الغذامي، نافية وجود مخالفيها.
ما نحكيه عن الغذامي هنا ليس سلوكا نادرا أو شاذا، بل قد يكون هو القاعدة في مجتمع معرفي تحكمه صراعات ما قبل فكرية، صراعات لتحقيق وجود شخصي في حالة عامة من العنف. الغذامي ذاته عانى من ذات الأمر في كتابات د. عوض القرني عن الحداثيين السعوديين حين كتب عنهم الحداثة في ميزان الإسلام دون أن يعود لشيء مما كتبوا. الغذامي رفض النقاش مع القرني نتيجة لهذا السلوك. سلوك القرني أدّى إلى قطيعة لا تواصل. ما فعله الغذامي مع الليبراليين السعوديين هو من ذات النمط وأدى إلى ذات النتيجة. القرني يتفوق على الغذامي في ذكره، على الأقل، لأسماء منقوديه، مما جعل لمتابعيه فرصة للعودة لأعمالهم التي أخفاها. الغذامي طمس الأعمال والأسماء في حالة حجب كاملة. في المقابل القرني حالة أخطر باعتبار أنه رجل دين تقترب أحكامه من الفتاوى ذات الطبيعة القانونية العملية، بينما يؤكد الغذامي باستمرار على كون ما يعرضه مجرد آراء لا يتمنى أن تؤدي إلى أذى عملي لمنقوديه.
النقد المعرفي في عمقه حالة تواصل من خلال حضور المنقود حضورا أمينا في خطاب الناقد. الناقد المصارع هو حالة قطيعة لهذه العملية من خلال حجب صوت منقوديه في خطابه وإحضارهم فقط من خلاله ومن خلاله فقط. بهذه العملية يقطع الناقد الطريق أمام قارئيه للقيام بنقد وتقييم ما يقوم به. ذلك أن هذه العملية تتطلب حضور الطرفين أمام القارئ. المثقف المصارع هنا يبحث عن مشجعين لا عن شركاء في التفكير، فهو يقدم مادة غير صالحة للتفكير الحواري. من السهل جدا على المثقف المصارع ترديد عبارات التواصل وحق النقد، ولكن الاختبار الحقيقي والمقاومة العميقة لنزعات الصراع وحجب المخالفين هو إحضار المنقود بحالة أمينة في خطاب الناقد. حالة التجاور هنا تتنافر مع حالة الصراع. خطاب المثقف المصارع هو ساحة للطرد لا الاستضافة. في خطاب المثقف المصارع حضور كثيف له وحضور مشوش أو اختفاء كامل لمنقوديه. في هذه الحالة نحن أمام حالة ما قبل معرفية، حالة ما قبل النقد، حالة لا يزال وجود المنقود بحد ذاته عملية غير متفق عليها. أزمة المثقف المصارع أنه بالضرورة يبحث عن (وجود) من يصارعه، وفي ذات الوقت يريد أن يخفي ويطمس ذلك (الوجود).