المهلة بالتأكيد لن تكفي، فكيف سنفعل بملايين باقية لم تستطع تصحيح أوضاعها، وأين سنحتجزهم؟ أو كيف سنرحلهم؟ لا بدّ من التمديد، مع تغيير الطريقة التي نحلّ بها أوضاعهم

طوابير طويلة من البشر تقف أمام مباني الجوازات والقنصليات والسفارات، في قيظ لاهب يحيل الجو لما يشبه الأفران، بيد أنك – والحال هذه - إن تفرّست في تلك الوجوه الغارقة في عرقها، ستجد الرغبة الجادة على تصحيح الأوضاع مرتسمة عليها، والتصميم على اهتبال هذه المنحة الملكية لهم.
استجابة إخوتنا الوافدين - المخالفين لنظام الإقامة - للدعوة بتصحيح أوضاعهم، وبهذه الأعداد المهولة التي رأينا طوابيرها بمدننا السعودية كافة؛ أمرٌ يبشر بالخير، ودلالة بأن الحملة ناجحة إلى حدّ كبير، وأن رسالة الدولة لهؤلاء المخالفين قد وصلت، بأنها عازمة وجادة في حلّ قضية مجتمعية أرقتنا لسنوات طويلة، وعادت بالوبال على اقتصادنا الوطني والأمني.
في الجانب الآخر، لا بد أن نعترف بأن أجهزة الدولة، فضلا عن السفارات والقنصليات، لم تك مهيأة لاستقبال هذا العدد الضخم من الراغبين في التصحيح، لذلك كانت تلك الفوضى والعشوائية، ونقلت لنا الصحف عن حالات إنسانية شتى، وحوادث مؤسفة وقعت، بما لا يليق ومكانتنا كدولة ومجتمع.
أسجل هنا بعض انطباعي، وأنا أسكن بجوار (أبرق الرغامة) بجدة، حيث المراجعين هناك، وأمرّ بجوار (القنصلية الإندونيسية) في طريق عملي، وخلال الأسابيع الماضية، كنت أرى إخوتنا هؤلاء، من الصباح الباكر مصطفين في طوابير طويلة، بعد أن كانوا في فوضى عارمة بالأيام الأولى، وعند عودتي بعيد الظهر، لا أزال أرى تلك الطوابير وقد استطالت عددا. حالات إغماء كثيرة حصلت، بل نشطت سوق سوداء لبيع مكان الاصطفاف في الطوابير، بمبلغ خمسمئة ريال، ورأيت بأم عيني من يطبخ ويبيع الطعام في نفس تلك الأماكن، وغلبني الفضول في إحدى المرات، ونزلت أمام (القنصلية الإندونيسية)، لرؤيتي لرجال ونساء سعوديات مختلطين بآلاف الحشود، وعلمت أنهم يحاولون الظفر بأية عاملة تريد تصحيح وضعها، وسألت سيدة سعودية تفاوض عاملة إندونيسية لنقل كفالتها لها، والأخيرة تتمنع، وسألتها عن سبب حرصها، والبدائل متوافرة، فأجابتني: جرّبت العمالة المنزلية الإثيوبية والكينية، وحتى الفلبينية، ولكن لا توجد مثل الإندونيسية، لأنهن يعملن بجدّ ولا يتأففن، إضافة إلى أنهن مسلمات.
تمنيت أن أرى الجمعيات الخيرية، وهيئات التطوع في بلادي، يسارعن إلى مثل هاته التجمعات، كي تمدّ يد العون والمساعدة لكبار السن والنساء، وإن لم نظهر أصالتنا ونخوتنا في مثل هذه الأوقات، ومع من يعيشون معنا، فليت شعري متى!!
ولست مع أولئك الذين نزعت من قلوبهم الرحمة، بأن هؤلاء مخالفون ومخطئون، لا يستحقون منا الشفقة، فهم بشر في النهاية، وديننا يأمرنا بالعطف والإحسان لهم وإن أخطأوا، وآمل أن نستدرك ونبادر في مدّ يد العون لهؤلاء، عبر إمدادهم بالماء والوجبات الخفيفة، وبعض المظلات التي تقيهم حرّ الشمس، وتنظيم طوابيرهم، فرجال الجوازات لا يستطيعون لوحدهم ذلك، وليت ثمة أجهزة أمنية أخرى تساعدهم.
المهلة بالتأكيد لن تكفي، ولا يكابر أحد، حتى لو كان معالي وزيرنا الخلوق، عادل فقيه، الذي قال في تصريح صحفي: لا تمديد لفترة تصحيح أوضاع العمالة الوافدة، وفترة التصحيح محددة بأمرٍ سامٍ، وغالبية تلك العمالة أضاعت فترة من زمن مهلة التصحيح في التوافد على سفارات بلدانهم، والبعض الآخر أضاع وثائقه الثبوتية، وسعى لتحديث بياناته، دون المبادرة بالتصحيح الفعلي لأوضاعهم.
كيف سنفعل بملايين باقية لم تستطع تصحيح أوضاعها، وأين سنحتجزهم؟، أو كيف سنرحلهم؟، لا بدّ من التمديد، وبما قال بعض الخبراء، مع تغيير الطريقة التي نحلّ بها أوضاعهم، فحتما، ما رأيناه خلال الفترة الماضية ليست الطريقة المتمدنة التي تعكس رقينا، فضلا عن أنه غير لائق باسمنا كدولة.
مثل هذه الطوارق المفاجئة، هو اختبار لمدى تمدننا وإنسانيتنا من جهة، وأيضا مدى استعداد أجهزتنا الحكومية على مواجهة وحل هذه المشكلات، وثمة حلول طرحها متخصصون، كأن يفرز هؤلاء المصححون لأوضاعهم، بحسب مهنهم، أو المشكلات التي وقعوا فيها وخالفوا فيها الأنظمة، وإعطائهم مواعيد إلكترونية يراجعون فيها، ودونكم تجربة رائعة جدا في نفس المجال، وهي تجربة تصحيح أوضاع إخوتنا البرماويين.
إذ كنت الأسبوع الفارط بينهم، وقد تلقيت دعوة كريمة من شيخ الجالية البرماوية في مكة المكرمة، وزرت الصيوان الضخم الذي أقامته (أمانة العاصمة المقدسة) في وقت قياسي (أسبوعان فقط)، وأشرفت (إمارة منطقة مكة المكرمة) عليه، وبطريقة غاية في الروعة والدقة والإتقان، حيث الكراسي المريحة، في صالات مكيفة، وينادى عليهم بالأرقام، وأسأل هنا: لماذا لا نعمم هذه الفكرة والطريقة في المدن الكبيرة، وترتاح جميع الأجهزة المستنفرة لآخرها، وكذلك المراجعين الذين سيتلقون معاملة كريمة؟.
لا أنسى شكر جميع العاملين في (المديرية العامة للجوازات) الذين يقدمون جهودا خرافية، ويعملون في أوضاع صعبة لا يحسدون عليها، أمام طوابير لا تنتهي من المراجعين الساخطين، والضغط النفسي الذي يعيشونه، وخطأ فرد لا يعمّم بالتأكيد على الباقين، الذين يعملون بكل جدّ، فتحية لهم، وآمل أن يكافؤوا في نهاية المهلة، بمثل ما كوفئ رجال (الدفاع المدني).
هذه الحملة ليست حملة العمل أو الجوازات بل حملة وطن كامل، فلنساهم جميعا لإنجاحها..