انشغال الأنظمة العربية 'العسكرية' خلال العقود الخمسة الماضية بـ'القضية الفلسطينية' هو الذي أعاق مسيرة التنمية في تلك الدول بعدما صارت هذه القضية ورقة تزايد عليها تلك الأنظمة وتتكسب بها شعبياً وتدغدغ بها عواطف العامة

تتبختر إلى جوارك عند الإشارة الضوئية، فتتحسر على أنك لا تملك مثلها وأنت تعلم أن السيارة الألمانية واحدة من السيارات الفاخرة عالمياً، ها أنت تجيل النظر في نوافذها المصقولة وألوانها اللامعة ومصابيحها المشعة وتصميمها الأخاذ.. وفيما كنت تبحث عن معرفة فئتها ومقاسها تتفاجأ أنها سيارة كورية، لكنها المحاكاة حد التطابق، وما إن تخرج من هذه الهواجس حتى تداهمك سيارة أخرى تمر سريعاً بمحاذاتك، ها أنت تعود لتتأمل هذه السيارة الأميركية بمصابيحها المتموجة وألوانها الزاهية ومراتبها الجلدية مع سقفها الزجاجي البانورامي، لقد تجددت الحسرة لديك لكونك لا تنضم إلى فئة السيارات الراقية لكن مهلاً لابد أن هناك لبسا وخلطا، أرجوك حدق ودقق في هذه السيارة.. إنها ليست أميركية، بل هي فئة أخرى من سيارات النخبة الكورية.. بما يشير إلى أن الكوريين يسعون في تصاعد لافت لأخذ حصتهم في سوق السيارات العالمي، وهم في هذا الاتجاه يحاكون تجربة النجاح الياباني التي سبقتهم في المضمار الذي بدأ وئيداً ثم صار يصعد سلالم المنافسة رويداً رويداً حتى تمكنوا من غزو العالم بالسيارات الصغيرة والعملية، ثم تدرجوا في الأمر حتى برعوا في صناعة السيارات الفاخرة.
كوريا كانت إلى وقت قريب دولة محدودة الموارد، وتعاني من تبعات الحرب الأهلية الكورية ومن الصراع السوفيتي الأميركي على شبه الجزيرة الكورية الذي خلف الكثير من الدمار، لكن الإرادة تصنع الحياة، حدث هذا لليابان بعد أن أفاقت من دمار القنبلة النووية لتنطلق من نقطة الصفر وتنكفئ على نفسها وتستنهض الأمة اليابانية التي نفضت آثار الحرب وغبار الدمار وضمدت جروحها الغائرة ثم دخلت ورشة الحياة وهي تجد وتكد.. تقلد وتحاكي.. وتقص وتلزق وتصنع نموذجها الذي تقوى شيئاً فشيئاً حتى انتقلت اليابان صناعيا من مراحل التقليد إلى مراحل المغايرة والابتكار، واختطت لنفسها أنموذجاً منافساً متناهي الصغر في صناعاتها، وأخذت حقها من السوق الاستهلاكية في العالم كله.
كذلك الحال مع كوريا التي صارت صناعاتها علامة فارقة في الجودة والإتقان، وصارت سياراتها وكمبيوتراتها وكاميراتها وقطاراتها وأجهزتها الكهربائية ماركات عالمية تكتسح أسواق الدنيا.
لكن السؤال هو: كيف يحق لكوريا أو اليابان وهما الدولتان اللتان أنهكتهما الحروب ودمرتهما القنابل أن تنهضا وتتخلقا من جديد ثم تنافسا عمالقة الصناعة الأميركية والأوروبية؟
كيف تحقق لهما هذا التحول في هذا الزمن القصير نسبياً، بينما يغط كثير من الدول العربية في سباتها وتستهلك صناعات غيرها؟
إنها الإرادة والإدارة..
لم تتوافر الإرادة السياسية في كثير من الدول العربية لدخول هذا المعترك، وحتى لو توافرت الإرادة في بعض القطاعات فإن سوء الإدارة هو الذي يخذل التطلعات. وأظن أن انشغال الأنظمة العربية العسكرية خلال العقود الخمسة الماضية بـالقضية الفلسطينية هو الذي أعاق مسيرة التنمية العربية بعدما صارت القضية الفلسطينية ورقة تزايد عليها الأنظمة العسكرية العربية وتتكسب بها شعبياً وتدغدغ بها عواطف العامة، حتى صار كثير من الحكام العسكر كلما أرادوا زيادة شعبيتهم يعمدون لإثارة الشارع واستمالته من خلال استخدام قميص القضية المسكينة فلسطين.
تحولت قضية فلسطين إلى خدعة كبرى تم توظيفها دولياً لتخدير العالم العربي، وتعطيل كل قدراته وتسخير كل مقدراته في هذه القضية الشماعة. أكثر من 60 عاماً وقضية فلسطين تنحدر للخسارة أكثر.
أنهار من المال والأرواح والسلاح والكلام المجاني والقصائد والبيانات والمؤتمرات والبكاء والنحيب والتهديد والوعيد تم استهلاكها في قضية تحرير فلسطين، لكن القضية تتحلل ولا تتحرر وتتراجع ولا تتقدم وتخسر ولا تربح.
منذ أن صارت فلسطين قضية العرب وهم يفطرون على هم ويتعشون على جدل، لكن قضاياهم تعددت وأعداءهم تمددوا وحالهم يتردى أكثر من ذي قبل.
لو كان لي من الأمر شيء؛ لاقترحت أن يتم ركن القضية الفلسطينية جانباً على الرف وأن تقفل ملفاتها إلى أجل غير مسمى حتى تلتفت كل دولة عربية إلى الاهتمام بشأنها الداخلي وإصلاح بيتها علمياً وصناعياً واستنبات التجارب الناجحة عالمياً كما هو الحال في اليابان وكوريا، ووضع سقف زمني لتطوير الإنتاج الصناعي العربي، وعندما يتحقق هذا التحول، ثم عندما تتولى الصناعات العربية المتقدمة إغراق الأسواق العالمية بمنتجاتها، أو على الأقل اكتفاء الأسواق المحلية بها بما يحقق الاستغناء إلى حد كبير عن المستورد، فإن العالم حينها وهو يتضرر من هذا المنافس سينقاد إلى ممالأته وكسب وده، ويستطيع المفاوض العربي عند ذلك الحين الانطلاق من مركز قوة في قضاياه السياسية وغيرها.
ماذا لو قررنا في المؤتمرات العربية الصيام عن الهم السياسي الذي هو خبز المواطن العربي البسيط، وذهبنا نقلب المعادلة إلى الاهتمام بالتنمية والتعليم ورسم خطة زمنية محددة لتحقيق الأهداف مدعومة بالإرادة؟ لكي نقطف النتائج والثمرات لاحقاً دعونا نتغير، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.