الدخول إلى ما أسميه حضرة الإبداع له متطلباته ومكوناته وأسسه التي تسوغ حالة التماهي مع الفكرة والاندماج في معطياتها، والانعتاق عن المحيط مع الإبقاء على حبل سري يمدّ المنتج بالحياة ومعتركها ونبض الناس وفيض مشاعرهم، ضحكاتهم، ودموعهم، وملامح من تمظهرهم الخارجي ترحا أم فرحا، وعلى هذا فلن يكون الإبداع إلا صفة متنحية كما يخبرنا علم الوراثة، لا سائدة كما يكذب به علينا المشهد اليوم حين يزف إلينا وعلى طريقة الطبل البلدي جحافل من الكتبة الذين لا علاقة لهم بهذه السمة والتي يبعدون عنها بعد الشمس عن اللمس.
هذه المقدمة أريد عبرها أن أتناول حالة المبدع الحق لحظة الانصياع للكتابة، تلك اللحظة التي يفارق فيها ما حوله ليحياها بكل ما فيها، هل يخيفه شيء ما فيتردد ثم يحجم؟ وهل ثيمة الخوف هذه حاضرة في نفس كل مبدع أيا كان توجهه أو الإيديولوجية التي يتكئ عليها؟ لم يخاف أصلا وممّ؟ لا أشك أبدا أن لكل كاتب ما يخيفه ويخشاه، وأن الأفكار المولودة كثير منها يئده الكاتب المبدع خوفا من تابوهات موجودة أو متوهمة على الرغم من قول قائل بارتفاع الأسقف، أو بسيطرة أدوات التواصل ووسائط التقنية. هذا الضعف الإنساني- في رأيي- هو مصدر المتعة التي يشتغل عليها الكاتب، تلكم المناورة بينه وبين ما يخشاه، يقترب حينا حتى تراه يتماسّ، ثم لا يلبث أن ينأى ليتوارى وكأنما يعدّ لمناورة جديدة.
كثير من الروايات التي دوّى صيتها انتشارا وتأثيرا كانت تصطبغ بهذه الصبغة، وكثير من القصائد قاربت هذا الميدان بصورة أو بأخرى، القارئ في المقابل له أدوات مغايرة في الولوج إلى عالم المبدع، إذ ليست الطريق المؤدية واحدة، وهنا تكمن المتعة القرائية عبر البحث عما كان الكاتب يخافه ويحاول الدنو منه. القارئ الحصيف ينبش النص، أو قل يعيد إنتاجه على شكل لعبة بازل لتظهر الصورة المرادة والوجه الخفي والثيمة التي خاف منها أو عليها الكاتب فاجتهد ليواريها انتظارا لقارئ صادق ينتشي بالكشف عنها. غير أن الخوف يمكن أن يكون أحد عوامل النضوب والانكفاء بمجرد أن يتحول إلى سلطة ظاهرة لها مقامع من حديد، هنا ينزوي المبدع، ليس لأنه خائف فحسب، ولكن لأن فضاء التحرك والتعبير أصبح مشبوكا وطاردا للأفكار الجريئة المناورة. نريد مبدعا يؤمن بالخوف، أما الكاتب الخائف فلن يكون مبدعا أبدا.