إن أكثر الجماعات البشرية غير معتادة على التفكير بنفسها، ولا يمكن لأية حقيقة، مهما كانت واضحة وصريحة، أن تنحيهم عن معتقداتهم وأحكامهم المسبقة. إنهم مستعدون لإنكار ما يرونه بأعينهم. إنهم ضحايا التبعية الفكرية بشكل أعمى، ويمكن ملاحظتها بوضوح بين البشر العاديين وكذلك بين النخبة المتعلمة، التي من المفروض أنها الأكثر ثقافة ورقيا وتحررا وهي ليست ظاهرة عقلية، بل نفسية. ولذلك، فما من أحد منيع أو محصّن من الإصابة بتأثير هذه الحالة المقيّدة مهما كانت انتماءاته الطبقية أو الفكرية أو المذهبية. فيمكن لأحد أذكى الأشخاص أن يكون تابعا دون أي تساؤل أو اعتراض، حيث لا يستطيع مقاومة قوى الطبيعة الاتباعية التي بداخله.
إن القوّة التي تدفع الفرد إلى الامتثال للتوجّه السائد لا يمكن مقاومتها بسهولة. فالتبعيون ليس مهماً لديهم مدى المنطق الذي تعتمد عليه الفكرة، بل المهم هو مدى القوّة والشعبية التي تدعم تلك الفكرة. فالإنسان، على هذا النحو يتصرّف وفق التأثير الجماعي. وهذه النزعة موجودة في الإنسان وتظهر بوضوح في نمط حياة مُعظم الناس. لكن في النهاية، وكما يحصل مع باقي الظواهر المجتمعية، يمكن لهذه النزعة البشرية أن تُستخدم لأغراض مؤذية. فتأثير التبعية العمياء كانت هي الدافع الأساسي وراء فقدان الكثير من البشر للتفرد والتحرر من التبعية فساروا في توجهات خاطئة لفترات طويلة من الزمن. ببساطة لأن الاتباعيين يمارسون آلية دفاع نفسية، يتم استخدامها ليس فقط من أجل تحصين أنفسهم من التعرّف على واقع آخر غريب عنهم، والذي يعتقدون بأنه سيكون واقعاً مربكا ومزعجا، بل أيضاً من أجل طمأنة أنفسهم بأنهم سيبقون مقبولين لدى جماعتهم، بدافع خوفهم الشديد من النبذ الجماعي فهم دائماً في حالة رعب من أن يصنفهم أحد على أنهم متمردون أو شاذون، أو أية تهمة تصنفهم بأنهم خارج عن التوجه العام. فبالتالي، وجب على معتقداتهم أن تكون دائماً وفق معتقدات الجماعة، وأفكارهم متماثلة وحتى متطابقة مع الفكر العام. فالأشخاص الاتباعيون لا يستطيعون تحمّل عبء المسؤولية، أو إزعاجات المجتمع، التي هي نتيجة حتمية للتفكير المستقل. سوف يقاومون، بكل ما عندهم من قوى عقلية ونفسية، جميع الجهود التي تبذل في سبيل تغيير معتقداتهم. يمكننا محاولة فتح عقولهم وتحريرهم من عماهم المتجسد ذاتياً، لكن ليس من السهل مصارعة قوة المخاوف التي تحتلهم، لأن أكبال التبعية قابضة عليهم بقوة مما يجعل عملية تكسيرها صعبة جداً. لكن بالرغم من ذلك، وجب على البعض أن يحاولوا بقدر الإمكان في سبيل الخروج من هذه الدائرة في يوم من الأيام. هناك القلائل من بيننا والذين يتمتعون بالشجاعة والفطنة الكافية بحيث تمكنهم من كسر قيود التبعية. ألا يستحق العقل أن يكون جامحا وتترك له حرية الوعي؟