وجدت إيران أنها قد استنفدت كل أدوات المروق عن مسار سيادة العالم مما قد يخرجها عن طورها، ولهذا وجدت أنه قد حان الوقت للانسجام مع المزاج الدولي العام الذي لا يليق برجل مثل أحمدي نجاد، وإنما يحتاج إلى لغة تعمد للملاطفة والمصانعة والمسايسة
أخيراً فاز روحاني الإصلاحي بمقعد الرئاسة الإيرانية بما يشير إلى تحول في التكتيك السياسي لجمهورية إيران التي لا تريد التصعيد، وإنما هي ماضية إلى التهدئة مع العالم المناوئ.. هكذا هي السياسة، مسرح تقدم فوق خشبته عروض السيرك البهلوانية، وألاعيب الحواة، وتدجين الحيوانات الكاسرة وجعلها مطواعة تأتمر بإشارات سيدها ومدربها.. وهكذا هي السياسة، تحول من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن الطرفين إلى الوسط، ومن التشدد إلى التسامح، ومن العناد والمكابرة إلى التنازل والمساومة.
لا عقيدة صارمة في السياسة، وإنما توفيقية وتوافقية تنسجم مع المتغيرات وتنقاد مطواعة، ونفعية مع المصالح والمكتسبات.
السياسة هي فن الأخذ عند القدرة، وهي فن العطاء عند قدرة الغير. والسياسة هي فن التلون والتلبس والتمنع والتخانع والاعتلاء والانحناء. والسياسة هي كل الاتجاهات، فهي المشرق حيناً، والمغرب حيناً آخر، وهي اليمين مرة واليسار مرة أخرى. السياسة هي كل الألوان، وكل الحبال وكل المشارب وكل المذاهب.
والسياسة هي فن قيادة الغوغاء وتدجينهم، وفن إعلان الشعارات وطرحها للعامة، لتكون مبادئهم، ويكونون هم محرقة هذه المبادئ ووقود إشعالها، وربما يكونون ضريبة أو ضحية إطفائها.
ها هي إيران تنتخب إصلاحياً، ومع ذلك فإن كل الأوراق بين الولي الفقيه ومندوب الله في أرضه، بما يعني أن الرئيس ليس إلا مظهراً شكلياً ينسجم مع تحولات المرشد وخططه وقراراته.
لقد وجدت إيران أنها قد استنفدت كل أدوات المروق عن مسار سيادة العالم، مما قد يخرجها عن طورها، ولهذا وجدت أنه قد حان الوقت للانسجام مع المزاج الدولي العام الذي لا يليق برجل مثل أحمدي نجاد، وإنما يحتاج إلى لغة تعمد للملاطفة والمصانعة والمسايسة أكثر مما هي عليه من قبل.
ستتغير لغة إيران وتعاملاتها بعد أن حققت نسبة جيدة من أهدافها وفق الأجندة المرسومة والتي تتم على مراحل بحسب الظروف المحيطة والدولية.
لقد توسعت خريطة نفوذها وامتدت يدها إلى كثير من المناطق، حيث استزرعت لنفسها خلال العقود الماضية مجموعة من الفرق والخلايا والأحزاب الموالية لها، بعد أن سخرت ثرواتها ومقدراتها الوطنية في تنفيذ هذه الخطط من خلال الصرف والرعاية المادية لهذه الولاءات، كما أنها حققت تقدما ملحوظاً في برنامجها النووي، لكنها على حساب ذلك كله صارت تعاني مادياً بسبب المقاطعة وارتفاع بند المصروفات، وعليه فإنها ستعمد مرحلياً لتهدئة اللعب – كما يقول الرياضيون – للإبقاء على مكاسبها واستعادة بعض أنفاسها اللاهثة ومهادنة العالم من حولها.
إيران ستعمد إلى الاقتصار والاقتصاد في كل شيء إلى حين ميسرة، أي إلى حين تستعيد بعض ثقة المحيطين بها، وإلى حين تتولى ترميم المتصدع من علاقاتها الدولية، وإلى حين تنخفض بعض العقوبات التي ضربت اقتصادها.
هكذا هي السياسة، مثل لعبة القط والفأر، لا تتوقف عن الحركة، وليس فيها منتصر دائم ولا مهزوم أبداً. السياسة مثل الحرب.. كر وفر، وقد كرت إيران طويلاً وفي أكثر من اتجاه، وطالت يدها في كل اتجاه، لكنها الآن ستدخل مرحلة الفر.. ها هو العالم القوي يرحب بفوز روحاني ويدعو إيران إلى مد يدها المسالمة والمستسلمة لقدر التحول المرحلي الذي اقتضته مجموعة الأهداف التي تحققت وتأجيل باقي التطلعات إلى حين آخر.