حين تحقق الاستقلال، تكشف أن الوطنيين الذين ناضلوا من أجل استقلال بلدانهم، انطلقوا من أرضيات مختلفة، وأن النصر المؤزر أوجد كيانات جديدة، لكل منها نظمه الخاصة
حيثما يتجه النظر في خارطة الوطن العربي الكبير، هناك حرائق مشتعلة. صراعات طائفية وأخرى عرقية، ومعارك داحس والغبراء، لا تعرف لها سببا. في سورية حرب طاحنة، استمرت لعامين ونصف العام، وأخذت ما يقرب من المائة ألف من السوريين. وفي بنغازي تعجز الدولة الليبية عن بسط سيادتها، ومواجهة ميليشيات التكفيريين. والسودان يستعد لتقسيم آخر، بعد أن ظل يتفاخر لعدة عقود، بكونه أكبر الأقطار العربية مساحة، فإذا بجنوبه ينفصل عن مركزه، وغربه المعروف بدارفور مشارف على الانفصال. ومصر مرشحة لانهيارات وقلاقل تتجه مع اقتراب نهاية شهر يونيو إلى الأعلى. وعشرات القتلى يسقطون يوميا بمختلف المدن العراقية، جراء السيارات المفخخة وعمليات التفجير، دون أن يلوح في الأفق ما يشي باقتراب نهاية مأساة أرض السواد. واليمن مهدد بالانشطار إلى أربع دويلات، دولة في المركز صنعاء، وأخرى في صعدة، وثالثة في حضرموت، ورابعة في البقية الباقية من الجنوب. وأحداث صيدا هذا الأسبوع، ترفع من نسبة الخوف والقلق على لبنان، وتنبئ باحتمال تفجر الأوضاع في بيروت وعودة اشتعال الحرب الأهلية.
والنسيج الاجتماعي الذي صنع تاريخ هذه الأمة، يتشظى بشكل غير مسبوق، والحبل على الجرار. أحداث تدمي القلب، وتعطل العقل في كل مكان من أرضنا العربية، والسؤال البديهي يصدمنا، أولسنا خير أمة أخرجت للناس؟ ولماذا تعطل وعينا بعد تمكننا من إنجاز أصعب عملية تاريخية في العصر الحديث، وهي إنجاز الاستقلال السياسي وحق تقرير المصير لمعظم البلدان العربية، في فترة قياسية قصيرة لم تتجاوز الثلاثة عقود؟
أسئلة لعل في الإجابة عليها ما يعيد لنا بعضا من توازننا. وتستمر الأسئلة: هل كان إيماننا بالاستقلال واستعدادنا لتقديم التضحيات الجسام من أجل تحقيقه أعلى من إيماننا بوحدة الأوطان، كمرحلة أولى والأمة في مرحلة لاحقة؟ الجواب كما تؤكده تجربة التاريخ، ربما يكون بنعم. فقد قدمنا قوافل الشهداء لنيل الاستقلال، وكان للجزائر وحدها أكثر من مليون شهيد. توالت الثورات الوطنية، بعد سقوط السلطة العثمانية، وشملت مشرق الوطن العربي ومغربه. وتصدرت أسماء لامعة، قائمة القادة الذين قادوا معارك الاستقلال: عبدالكريم الخطابي، وعبدالقادر الجزائري، وعمر المختار، ويوسف العظمة، وأحمد عرابي وسعد زغلول، والقائمة طويلة.
على صعيد الوحدة، لم يبرز هذا الكم من القادة، رغم أن وحدة المشرق العربي كانت هدفا أثيرا لدى زعماء النهضة، في مقاومة العثمانيين، لكنها تعثرت على مشارف موقعة ميسلون. تمكن البريطانيون والفرنسيون من تطبيق اتفاقية سايكس بيكو، ولاحقا وعد بلفور، وقهر مشروع النهضة.
التناقض في إنجاز الاستقلال وتعطل مشروع النهضة، يمكن إرجاعه لعوامل موضوعية، وذاتية. في الاستقلال الوطني، كانت هناك قوة دفع تاريخية، يمكن القول إن للتراكم دورا فيها. فمعارك الاستقلال هي استمرار للكفاح الذي بدأ ضد الأتراك، وقد حدثت بعد الحرب العالمية الأولى، مع بداية التراجع السياسي والاقتصادي للإمبراطوريات القديمة، وذلك ما كشفته نتائج الحرب ذاتها. وذلك يعني، بداهة، طغيان دور القوى التي تمكنت من تحقيق النصر في الحرب.
مكنت نتائج الحرب الكونية الثانية الأميركان والسوفييت، من إزاحة الاستعمار التقليدي عن المنطقة، تحت شعار حق الشعوب في تقرير المصير. والهدف الكامن وراء ذلك هو وضع مناطق نفوذ الاستعمار القديم تحت هيمنة القوى الفتية الجديدة، وليكون الاستعمار التقليدي تابعا للقوة الجديدة، وتحت حماية مظلتها النووية. وقد أكدت مواقف الأميركان والسوفييت من العدوان الثلاثي على مصر رغبة القوى العظمى الجديدة في إزاحة البريطانيين والفرنسيين عن مسرح الأحداث، وتسليم المفاتيح للقوة الصاعدة. وتلك بالتأكيد قوة دفع تاريخية لصالح حركة التحرر الوطني.
قوة الدفع التاريخية الأخرى، تمثلت في الحرب الباردة، والتي استثمرها المقاومون الوطنيون بذكاء، وكانت عامل تسريع لإنجاح معارك الاستقلال.
لكن هذه الأسباب، على وجاهتها، لا تقلل من العوامل الذاتية. فلم يكن لمنطق الإزاحة أن يجد له أرضية مناسبة، لو لم تكن شعوب المنطقة على استعداد لتقديم التضحيات من أجل استقلالها. كانت حركات التحرر الوطنية، من صنع هذه المنطقة، وأثبتت كفاءة في إدارة معارك الاستقلال، واستفادت من قوة دفع التاريخ التي أتاحتها المتغيرات الدولية، والصراع بين القوى الكبرى.
حين تحقق الاستقلال، تكشف أن الوطنيين، الذين ناضلوا من أجل استقلال بلدانهم، انطلقوا من أرضيات مختلفة، وأن النصر المؤزر أوجد كيانات جديدة، لكل منها نظمه الخاصة، وهياكله الخاصة، وتطلعاته الخاصة. غدا تشكيل الخارطة السياسية للوطن العربي مختلا ومشوها، لكنه أمر واقع يصعب إلغاؤه، أو التنكر لوجوده.
وفي خضم ذلك، برزت قيادات تصدرت معارك الاستقلال، ونالت بجدارة موقع الزعامة في الأنظمة الوليدة، رأت في الوحدة الوطنية والقومية تنازلا عن صولجان السلطة. فاكتفت بالتنظير بدلا عن الممارسة، وأسعفتها المواقف الدولية، المناهضة لتحقيق وحدة الأمة، في الاحتفاظ بمغانمها.
وكان الحل الوسط بين الوحدة والتجزئة، الذي اختير بعد الحرب العالمية الثانية، هو تشكيل جامعة الدول العربية. وكان المؤمل أن يشكل تأسيسها خطوة على طريق تعضيد التضامن العربي، بما يقربنا من تحقيق حلم الوحدة، لكن ذلك للأسف، بقي أملا مؤجلا بعد ما يقرب من سبعة عقود.
هل تقدم هذه القراءة جوابا شافيا عن المعضلة؟ المؤكد أن المعضلة أكبر من ذلك بكثير، إنها تتناول المنظمات والهيئات السياسية التي رفعت شعار النهضة، وعجزت عن تحقيقه. كما أن ثقافة الاستبداد ألقت بثقلها على الواقع العربي بأسره، وشملت القمم والسفوح، ولم تستثن أحدا. وهذه قضية هامة بحاجة إلى المزيد من التأصيل والتحليل في حديث آخر، بإذن الله.