بعض الداخل اللبناني يستقوي بالخارج على بعض الداخل اللبناني؛ وبنفس الوقت، فالخارج اللبناني يقاتل الخارج اللبناني داخل الداخل اللبناني وعن طريق الداخل اللبناني. الخارج اللبناني يقاتل في الداخل اللبناني من أجل الداخل اللبناني، والداخل اللبناني يقاتل الداخل اللبناني، من أجل الخارج اللبناني

لا نستطيع أن نتوصل لمعرفة ما يجري في لبنان، من خلال المنطق نفسه، فمنطق الأشياء، لا ينطبق على منطق أشياء لبنان بالتحديد. كل ميزات لبنان التي يفتخر بها معظم اللبنانيين ويرددونها عن قناعة، ويرددها معهم معظم العرب، هي ميزات وهمية غير حقيقية، ناهيك عن أن تكون منطقية.
الديمقراطية في لبنان، هي ديمقراطية خاصة به، لا يشارك فيها ديمقراطيات العالم، ولا تشاركه بها ديمقراطيات العالم. ما يوجد في لبنان من ديمقراطية، هي بشكل عام، ديمقراطية الطوائف، وليست ديمقراطية المواطنين الأحرار؛ أي إن المواطن، اللبناني، يصوت في الانتخابات بحسب ما تريده طائفته لا بحسب ما يريده هو. أي إن الديمقراطية في لبنان متفردة بمنطقها، لا يحركها منطق الديمقراطيات خارجها.
العلمانية في لبنان هي علمانية الطوائف وليست علمانية الطائفة؛ أي إن هنالك توافقا بين اللبنانيين على اختلاف طوائفهم الدينية والمذهبية، على التعايش مع بعض، برغم الاختلاف الديني والمذهبي؛ لكن هذا لا يعكس نفسه داخل كل طائفة، فاللبناني مرغم على ألا يصوت ولا يعلن ولاءه إلا لطائفته. أي إن اللبناني علماني خارج طائفته، ولكنه موال دينياً لطائفته، حيث منطق العيش في لبنان لا يسمح له بأن يكون علمانياً داخل طائفته، بل يظل طائفياً ومذهبياً؛ ولو توهم، بأنه عكس ذلك. أي إن منطق العلمانية في لبنان هو منطق علماني خاص بها؛ يتحرك خارج نطاق منطق العلمانيات في العالم، وحتى خارج نطاق تاريخ العلمانية نفسها.
الحرية في لبنان، لا تمثل حرية اللبنانيين من أجل لبنان؛ ولكن تمثل حرية اللبنانيين للاستقواء بالخارج، على حساب حرية لبنان واستقلاله، أو حرية طائفة أو تكتل من الطوائف، ضد طائفة أو تكتل من الطوائف المضادة. الحرية في لبنان تعني حرية الطائفة بالتحكم بأفراد طائفتها، حتى في تأمين الوظائف العامة لهم، على حسب ولائهم لها. الطائفة في لبنان تقمع حرية أفرادها، أكثر من قمع الدول الديكتاتورية لمواطنيها؛ حيث الخروج أو التمرد على الطائفة، يعد ليس فقط تمردا سياسيا عليها، وإنما هو تمرد سياسي وديني وتاريخي وجغرافي وعائلي كذلك. لا يوجد في لبنان إعلام حر؛ وإنما يوجد فيها حرية إعلام؛ أي حرية تأسيس قنوات وصحف خاصة من الداخل أو الخارج لتسويق منطق كل طائفة على حساب منطق الطوائف الأخرى ولبنان بشكل عام.
الدولة في لبنان تمثل دول الطوائف، ولا تمثل دولة للطوائف؛ أي إن الدولة في لبنان تسيطر عليها الطوائف، ولا تسيطر هي على الطوائف. إذاً فمنطق الدولة، ناهيك عن خطاب الدولة، غائب في لبنان، وحل محله منطق الطائفة والخطاب الطائفي. علاقة الطائفة في الخارج، أقوى من علاقة الدولة في الخارج، وفي كثير من الأحيان، الطائفة هي من يتحكم بعلاقة الدولة مع الخارج، على حسب قوة الطائفة وسيطرتها على الداخل اللبناني.
الجيش اللبناني، أقل تسليحاً وعدداً، وأقل تدريباً، من بعض ميليشيات الطوائف؛ ولذلك فهو يحتاج لغطاء سياسي، من الطوائف أو بعضها أو إحداها، من أجل التحرك لقمع فوضى تحدث هنا أو هناك. أما ميليشيات الطوائف؛ فغطاؤها السياسي، دوماً حاضر وجاهز؛ ولذلك فلديها الجاهزية للتحرك، أسرع من الجيش نفسه، وفي بعض الأحيان أكثر فاعلية منه. كل طائفة تشكو من وجود السلاح خارج الجيش؛ ولكنها تجمع السلاح، وتخزنه وتحدثه، بطريقة أسرع وأحدث من تسليح الجيش نفسه.
من الممكن القول إن لبنان، إما يخوض حربا أهلية، أو يستعد لحرب أهلية، أو يلملم جراحه من حرب أهلية. صحيح أن بعض الداخل اللبناني يستقوي بالخارج على بعض الداخل اللبناني؛ وبنفس الوقت، فالخارج اللبناني يقاتل الخارج اللبناني داخل الداخل اللبناني وعن طريق الداخل اللبناني. الخارج اللبناني يقاتل في الداخل اللبناني من أجل الداخل اللبناني، والداخل اللبناني يقاتل الداخل اللبناني، من أجل الخارج اللبناني.
السؤال إذاً هو: ما الذي أدى بلبنان إلى هذا الوضع السياسي والأمني الغريب والحرج والمتأزم دوماً، والذي لا يماثله وضع، ليس فقط في الدول العربية، ولكن أيضاً في العالم أجمع؟ جزء كبير من الجواب يكمن، في الهدف من تأسيس لبنان، أو ما عرف باستقلال لبنان. في عام1920م، حين أعلن الحاكم العسكري الفرنسي، في سورية الجنرال قورو اقتطاع جبل لبنان من دولة سورية، وجعله دولة خاصة بالمسيحيين في المنطقة، تحت مظلة الدولة الفرنسية، مثلما فعلت بريطانياً بتخصيص فلسطين دولة لليهود، في المنطقة، تحت رعاية الدولة البريطانية؛ ليكون لكل من القوتين العظميين الأوربيتين موقع قدم في المنطقة، تحمي وتدافع عن مصالحها، وعلى أساس ديني، وتحت غطاء حماية الأقليات. وفي عام 1926م، أقر مجلس الممثلين اللبناني الدستور اللبناني وانتخب أول رئيس للدولة اللبنانية، الرئيس شارل دباس.
وفي عام 1943م، تم إعلان استقلال لبنان عن فرنسا؛ قبل إعطاء دولة سورية استقلالها بسنتين؛ ليتم فرض لبنان عنوة على أرض الواقع، خارج سورية. ولم يتم منح سورية استقلالها إلا بعد أن فرض عليها واقع استقلال لبنان؛ ولو لم توافق رسمياً، ولكن قبلت ذلك ضمنياً، مع رفض قبول تبادل السفارات بينها وبين لبنان.
إذاً فلبنان تأسست على منطق طائفي،والمسلمون في لبنان احتجوا على فصل لبنان عن الدولة السورية؛ كون ذلك يحيلهم من أكثرية لأقلية؛ وقد رحب بها غالبية المسيحيين كونهم في الكيان الجديد، شكلوا لأول مرة غالبية في المنطقة. بعد عدة عقود، تخطى عدد المسلمين في لبنان عدد المسيحيين فيها، مع احتفاظ المسيحيين بصلاحيات وميزات الأغلبية؛ مما أدى لاشتعال الحرب الأهلية عام 1975م؛ والتي دامت خمس عشرة سنة.
جغرافية لبنان تشكل جيبا، داخل سورية، تحدها سورية من الشمال والشرق، وتحدها إسرائيل من الجنوب، ويحدها البحر من الغرب، أي لا منفذ بري للبنان مع بقية المنطقة العربية، إلا عن طريق سورية، فبرغم فصل لبنان عن سورية، إلا أن ارتباطها بسورية، ارتباط عضوي واستراتيجي، لا يمكن لها الاستغناء عنها. إذاً فلبنان مشكل من أقليات ديمغرافية، تقطن أقلية جغرافية، إن صح التعبير. الأقليات الديمغرافية دوماً هي امتداد لأغلبيات خارج نطاقها الجغرافي؛ والأقلية الجغرافية، هي كذلك دوماً امتداد لأغلبيتها الديمغرافية المجاورة لها، وعليه فلبنان يتكون من أقليات، كل أقلية منها تتصرف بمنطق الأغلبية؛ على جغرافية تضيق بها زمن السلم، وتتسع عليها زمن الحرب. المنطق هو أن السلم يمنح الأمن والاستقرار؛ أما في منطق لبنان فالاستعداد للحرب والتهديد بها قد يمنح الأمن والاستقرار، ولو أتى ذلك على عكس منطق الأشياء.
منطق لبنان منطق مناقض لمنطق الأشياء، مثله مثل منطق الحرب. فمنطق الحرب يقول كلما استعددت للحرب أكثر فأنت تبتعد عن الحرب أكثر؛ والعكس صحيح. في النهاية، أرجو ألا أكون قد قسيت على وطننا الجميل والغالي لبنان؛ وإن كنت فعلت ذلك، فعزائي أن قسوتي، لن تكون أكثر من قسوة اللبنانيين أنفسهم على لبنان نفسه. لماذا سيطر حزب الله أخيراً على لبنان؟ الجواب في المقال القادم.