ما يجري في التعليم التقليدي هو عدم الاعتراف بحق الإنسان في إدارة حياته الشخصية من خلال رسم أهداف حياته مسبقا، وحصر دوره في التنفيذ الآلي للأوامر والنواهي

انتهت المقالة السابقة بالقول إن فهم التعليم والتربية، وبالتالي ربما إصلاحهما مرتبط بفهم الطبيعة العلائقية للتربية. التربية هي وقبل أي شيء علاقة بين طرفين على الأقل، وربما عادت التربية ذاتها إلى تنظيم لهذه العلاقة. العلاقات في المدرسة كثيفة ومتشابكة لكل المتواجدين فيها، والتربية محكومة بمقدار وعينا بطبيعة هذه العلاقات وقوانينها وبالتالي تحقيق دور تربوي من خلالها. انتهت المقالة السابقة أيضا بتقرير أنه لا علاقة سليمة وطبيعية بدون الإقرار بحرية الأطراف واستقلال كل منهم عن الآخر. بدون الحرية لا يمكن الحديث عن علاقة تربوية، وفي أحسن الأحوال يمكن الحديث عن علاقة استعباد. بدون استقلال لا يمكن الحديث عن طرفين أو أكثر. حرية واستقلال الإنسان لها أساس طبيعي واضح. البشر مستقلون جسديا ويملكون الحرية على الأقل في التفكير والخيال دون سيطرة أحد. إنكار هذه الطبيعة هو جزء من مشكلة التربية التقليدية على مر التاريخ.
مفاهيم الحرية والاستقلال مثيرة للقلق هنا ولا بد من أخذ هذا بعين الاعتبار. يرى البعض أن حرية الطفل تتناقض مع بنوّته وارتباطه بأسرته، يقلق آخرون من تعارض الحرية مع التقاليد والأعراف المتوارثة، والسلسلة تطول. كل هذا القلق حقيقي ومفهوم، لكنه يحتاج لتوضيح أكثر. الحرية هنا ليست معيارا مفروضا من الخارج أو أداة للتصفية الأيديولوجية بقدر ما هي شرط ابتدائي لوجود إنسانين في حالة تحفظ لهما البقاء، البقاء كطرفين يدخلان في علاقة لا تلغي أحدا منهما. هذه الصورة لا يمكن أن تتحقق إلا بتحقيق تصوّر معيّن عن الإنسان وعن التربية والتعليم. نميل أحيانا للتصور أننا حين نتحدث عن الإنسان أننا نتحدث عن نفس الشيء. تعريف الإنسان ربما هو من أعمق التعبيرات الثقافية في كل مجتمع. قل لي كيف يعرّف الناس في مجتمع ما الإنسان أقل لك طبيعة العلاقة التي ستربطهم معه. الحرية هنا هي أحد التعريفات في هذه الساحة المليئة بما يعتقده الإنسان عن الإنسان. التوحيدي، أبو حيّان، قال يوما إن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان. علاقة البشر مع بعضهم انعكاس لهذا الإشكال الهائل. لقرون طويلة اعتقد بعض الناس أن لهم الحق في أن يحددوا معنى وطريقة حياة أناس آخرين. التعليم والتربية كانت أنجح الوسائل التي صمّمت لتحقيق ذلك الهدف. التعليم قد يكون أسوأ ما في الوجود، وقد يكون طريقا لصناعة وجود أجمل. ما يحدد اتجاه هذه العملية المعقدة هو تحديدا طبيعة العلاقات التي تجمعهم وجوهرها الحرية.
العلاقة بين المعلمة والطالبة أو بين المعلم والطالب هي برأيي جوهر التربية والتعليم، بناء عليها تتحدد العلاقة بالمعرفة، ومن خلالها تتشكل علاقة كل الأطراف بالعالم الخارجي. الأطفال بسبب فارق التجربة في الحياة هم أكثر تأثرا بهذه العلاقة، ولكننا يجب ألا ننسى أن المعلم أو المعلمة كانا يوما من الأيام طفلين وفي مدرسة أخرى. لذا الحديث عن الأطفال في التربية هو حديث عن الجميع. هذه العلاقة بين أطراف التربية تتأسس على أسئلة جوهرية سأختم بها هذه المقالة. هل يحق للمربي تحديد أهداف حياة من يربيه؟ أم أن دوره أن يساعد هذا المتربي على تحقيق أهدافه التي اختارها لنفسه؟ هل يحق لأحد أن يقرر سلفا ماذا سيكون الطفل عليه بعد اثنتي عشرة سنة من التعليم النظامي؟ هل التعليم المحددة أهدافه سلفا أخلاقي؟ هل يمكن في تعليم الذي يحدد أهداف حياة الأطفال سلفا أن يحترم حرياتهم وخياراتهم وحقهم في الاختلاف معه؟ هل يمكن أن يتحقق حوار في تعليم محدد الأهداف سلفا؟ هل الأهداف للناس أم للجهات التربوية؟ هل يمكن أن يحقق التعليم المركزي فرصة للآخرين للاختلاف معه وهو ينفيهم حين يفكر في تعليمهم؟ هل المعلمة التي تدخل صفها حاملة في ذهنها الأنموذج الذي يجب أن تقتدي به طالباتها وتكون قادرة على الحوار معهن والحوار قائم على الحرية ومساحة الاختلاف الآمن؟ ما الفرق بين التعليم الذي يسعى لمساعدة أفراده لتحديد وتحقيق أهدافهم التي وضعوها هم لحياتهم وبين ذلك الذي يدخلهم في عملية محددة الأهداف سلفا؟ ما الفرق بين علاقات الناس في التعليم الأول والتعليم الثاني؟ هل تعليمنا عادل؟ ما هي طبيعة العلاقات التي ينضم لها بناتنا وأبناؤنا كل صباح؟
كل هذه الأسئلة تنطلق من معنى جوهري وهو أن حرية الإنسان واستقلاله يعنيان أن يكون هو صاحب الخيار في تحديد أهداف حياته. الاستبداد في عمقه هو سيطرة فرد على حياة آخرين. الحياة معقدة ومن الصعب الحديث عن إرادة فردية للمستقبل، ولكن جل ما يمكن فعله هو الدفع في طريق أن يتحمل الجميع مسؤولية حياتهم وقراراتهم، وهذا لن يتحقق إلا بالاعتراف أولا بحرياتهم واستقلالهم. ما يجري في التعليم التقليدي مناقض لهذا تماما. ما يجري هو عدم اعتراف بحق هذا الإنسان في إدارة حياته الشخصية من خلال رسم أهداف حياته مسبقا وحصر دوره في التنفيذ الآلي للأوامر والنواهي. هذا بالتأكيد يحقق عطبا لطبيعة العلاقات التي ينضم لها الطالب والطالبة كل صباح دراسي.
من هنا يمكن فهم مشهد كل صباح الذي تجتمع فيه سعادة الطلاب بلقاء أصدقائهم بعيدا عن رقابة المنزل الصارمة مع توترهم من الدخول في عملية تعليمية لم يكن لهم الخيار في تحديد شروطها وأهدافها.