ينبغي إعداد دراسات حول كيفية التصالح مع العالم الجديد، وعدم التصادم معه. العالم القديم هش ومكوناته المتعلقة بالناس والدول والأعمال لا يمكن أن تصمد في وجه العالم الرقمي

يعيش العالم اليوم عصرا مختلفا متبدلا متلونا متناقضا سمته الرئيسة التدفق الرهيب للمعلومات والتحول السريع في المجالات كافة، وبدرجة مخيفة لا يستطيع حتى جهابذة التقنية وعلماؤها والمختصون فيها توقع المحطات التي سيأخذنا لها هذا العصر. بل إن بعض قادة التقنية مثل بل جوي رئيس شركة مايكرو تنكنولوجي، ومخترع برنامج جافا الشهير يقول في بحث مطول: إن العالم لا يحتاجنا نحن معشر التقنيين؛ لأن هناك احتمالا أن نقوم بتدميره. عصر المعلومات الذي نعيشه الآن يتسارع بدرجة مخيفة، وبدأت بوادر هذا العصر في بداية الثمانينات من القرن الماضي، إذ بدأ المهتمون في تحليل التبدل المحتمل للعصر.. ونادوا بالدخول بقوة في العصر الجديد، الذي بدأ يفرز الكثير من الشركات والمؤسسات التي حولت العالم بشكل مذهل إلى العصر الرقمي الذي نعيشه. ومن هذه الشركات مايكروسوفت وأبل وجوجل وياهو وغيرها، وظهر الكثير من العلماء الذين ابتكروا الكثير من البرامج والأجهزة، ليتحول العالم مع بداية الألفية الثالثة إلى عالم مختلف.. أصبحنا نعيش وكأننا في قرية واحدة، وتطورت وسائل الحياة كلها، وأصبح العالم اليوم يعيش ثلاثة انفجارات: انفجار معرفي، وآخر تكنولوجي، وثالث سكاني. وأصبحت هذه الثلاثة انفجارات تشكل تحديا كبيرا، وتؤثر على عناصر الحياة الثلاثة: الإنسان والدولة والأعمال. وبالطبع كل ما يتعلق بهذه الثلاثة عناصر الرئيسة.
كانت استجابة العالم لهذه التغييرات بقدر وعيها ومستوى مؤسساتها العلمية والبحثية.. وأدركت بعض دول العالم الخطر القادم لهذا العصر، والمتمثل في أن العصر القديم لن يقف في وجه الاندفاع العظيم للعصر الرقمي. واستنفرت مؤسساتها البحثية وعلماءها والمتخصصين؛ ليجدوا الطريق الذي يمكن بواسطته تفادي التصادم مع العصر الجديد ومتطلباته، ومعرفة الوسائل التي تمكن من التصالح معه؛ لأنه ببساطة لا يمكن التصدي له. بمعنى آخر لا يمكن أن نعيش العصر القديم في العصر الجديد. ويتبادر إلى الذهن مثالان: الأول سلبي والثاني إيجابي. كلنا يعرف شركة كانت تصنع كاميرات التصوير الفوري. هذه الشركة لم تستجب لمتطلبات العصر الرقمي، واستمرت في عصرها القديم تبيع بضاعة ذلك العصر، وانتهت بأن بيعت تلك الشركة بمبلغ بخس، بخمسين ألف دولار!، بينما شركة أخرى كبيرة ومعروفة غيرت منتجاتها بالكامل، واستبدلت طواقمها ودربت عمالها لتعيش بهذا العصر الجديد، وتتصالح معه، فقفزت مبيعاتها وسايرت العصر واستمرت بسلام. وهكذا كل من عمل على شاكلتها.
وبالرغم من السعي الحثيث للعالم في مجاراة العصر، إلا أن خطوات العصر الرقمي أوسع من الخطوات التي تحاول مجاراته والتصالح معه، والإفرازات والمشاكل التي نشهدها الآن، دليل على ذلك. فما يعاني منه الإنسان وما تعاني منه الدول وقطاع الأعمال هو نتيجة تسارع العصر بشكل يفوق الجهود التي تحاول مجاراته. خذ هذه الأمثلة التي وردت في كتاب رئيس شركة جوجل إريك شمدت: في هذا العصر يمكن بسهولة تشويه سمعة الناس، والقدح في شرفهم، الذي يعد أغلى رصيد لديهم، مما يؤدي إلى صراعات في العائلات المتحفظة، ويمكن اختراق الرسائل وتغيير محتواها. يمكن السيطرة على الأفكار من قبل الدول والهيئات والمنظمات والنشطاء، وتوجيه آرائهم ومواقفهم إلى وجهة تتماشى مع أهداف تلك الجهات.. انحدار الآراء الشخصية بسبب قوة تأثير بعض الجهات على الناس.. انكشاف كل مستور عن طريق الكاميرات الجاهزة للتصوير على مدار الساعة ومن قبل كل الناس، إذ أصبح التصوير والبث في متناول الجميع، وظهر ما يسمى التعددية الافتراضية، التي تعني حرية نشر المعلومات عن الدول والأشخاص لأي هدف، حتى لو كان للتشويه، ومؤسسة ويكيليكس مثال على ذلك. وجود المعلومات بصورة دائمة وعدم القدرة على إزالتها، وإرهاب المعلومات عن طريق سرقة الأسرار التجارية، واختراق المواقع الاستراتيجية مثل وزارات الحرب والبنوك.. واختراق أنظمة الدول..إلخ.
وبالنسبة للدول، فقد ولى زمن الأيام السهلة لسياسات داخلية وخارجية، إذ يؤكد المؤلف أن قوة العالم الواقعي للدولة لا تضمن قوة عالم افتراضي لها. ولهذا أصبح على الدول أن تبحر في أمواج متلاطمة بين عالمين متناقضين فيما يتعلق بسياساتها الداخلية والخارجية؛ وثورة عبور المعلومات إلى كل نقطة في الكرة الأرضية، والتأثر بذلك بسبب سهولة الاتصال بين الأفراد والجماعات، والقضاء على صعوبات اللغة وتعدد مصادر الفكر. وبالنسبة للأعمال، قامت بعض الدول بالتخلص من الصناعات القديمة واستبدالها بصناعات جديدة، وتطلب الأمر إدخال مهارات جديدة يتم الآن تدريب العمال عليها، وتتولى الجامعات هذه المهمة، كما يجري تغيير مناهج الجامعات؛ ليخرج منها ماهرون متعلمون ومدربون بمهارات عالية تساير الصناعات الحديثة. ينبغي أن تتصدى الجامعات من منطلق صميم مهامها بالبحث العلمي، وأيضا من صميم مهامها لخدمة المجتمع بإعداد دراسات حول كيفية التصالح مع العالم الجديد، وعدم التصادم معه. العالم اليوم بالناس والدول والحكومات والأعمال لا يمكن أن يصمد في وجه العالم الرقمي. العالم القديم هش ومكوناته المتعلقة بالناس والدول والأعمال لا يمكن أن تصمد في وجه العالم الرقمي.
وخلاصة القول، إنني هنا لم أقدم وصفا كاملا لا للعصر القديم ولا للعصر الرقمي الجديد، بل قدمت تحذيرا بأن العالم القديم لن يصمد في وجه العالم الرقمي. وأننا نعيش انفجارات ثلاثة هي الانفجار السكاني والمعرفي والتكنولوجي. وأن هذه الانفجارات ستؤثر على مكونات العالم الثلاثة وهي: الإنسان والدول والأعمال. وأنه لا بد - أؤكد - لا بد للجامعات وبسرعة أن تقدم لنا الحلول والطرق والوسائل التي بواسطتها نتمكن من تفادي التصادم مع العالم الرقمي، والتعايش معه على مستوى الإنسان والدولة والأعمال. وقدمت تحذيرا مفاده أن العالم القديم لا يمكن أن يصمد في وجه العالم الرقمي الجديد والمندفع. مع دعائي بأن ننجح في ذلك ويستمر رخاؤنا وعزنا وأمننا.