أيعقل أن تقسم مصر وشعبها إلى فريقين؟ مجتمع المسلمين، والمجتمع الجاهلي! كما قسمت الآن إلى مسلمين وعلمانيين! هذا أكبر دليل على أن التاريخ يعيد نفسه

سأبدأ بشرح لماذا اخترت العنوان، (البداية والنهاية)، لأنه عمل موسوعي تاريخي ضخم، ألفه ابن كثير، والموسوعة مبنية على حسب معتقدات الديانة الإسلامية. يعرض فيه ابن كثير التاريخ من بدء الخلق إلى نهايته، يبدأ ببداية خلق السماوات والأرض والملائكة إلى خلق آدم، ويسرد في النهاية علامات الساعة لغاية يوم الحساب.
فالتاريخ لا يكتب عبثاً، ولا للتسلية أو الترفيه، لذلك يتم تزويره وتحريفه أو السكوت عنه في أغلب الأحيان، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {لَقد كان في قَصَصِهِمْ عبرة لأولِي الأَلْباب ما كان حديثا يُفترى ولَكن تصديق الذِي بين يديه وتفصِيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} يوسف111.
فالتاريخ يكتب للعظة والعبرة، وهذا ما يشغل بالي دائماً عند وقوع أحداث سياسية مصيرية، ولكي أكون أكثر وضوحاً سوف أعطي مصر كمثال حي، وجميع الأنظار متجهة إليها وتحديداً الانقسام حول (الإخوان المسلمين).
ما رأيته في الأيام الأخيرة في جميع وسائل الإعلام من تلفزيون وصحف إلى تويتر وفيسبوك، يدفعني أن أتساءل عن التاريخ، هل قام أحد أطراف الجماعة بقراءة تاريخهم بعد وفاة مؤسسها الشيخ حسن البنا؟ حسن البنا الذي قال عمن نفذوا عمليات اغتيال النقراشي باشا والقاضي أحمد الخازندار في عهد الملك فاروق: إنهم ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين ماذا حدث؟ ما الذي قلب المعايير رأساً على عقب؟ كيف وصل الإخوان المسلمون إلى ما هم عليه؟
يقول ثروت الخرباوي في كتابه (قلب الإخوان) إنه بعد وفاة الشيخ حسن البنا خلفه المستشار حسن الهضيبي مرشد الإخوان، الذي كانت وفاته نقطة نهاية إخوان حسن البنا وبداية إخوان اليوم، ولو سئل الإخوان اليوم عن أسماء من تولو موقع المرشد العام للإخوان المسلمين، لا يذكرون المهندس حلمي عبدالمجيد الذي وقع عليه الاختيار بعد عام من وفاة المستشار حسن الهضيبي، وهذا تنفيذاً لرغبته أو شرطه بأن يكون مرشداً سرياً.
إخوان اليوم نتاج رجال النظام الخاص السري وسيد قطب، فكان الاتحاد والتلاحم، لإيجاد مرجعية دينية تؤصل لهم عمليات الاغتيال وتبيحها لهم من ناحية شرعية.
لو أن من انتخب الإخوان قد قرأ البداية والنهاية لما انتخبهم، فهم أخذوا فكرة الحاكمية من أبي الأعلى المودودي الذي تأثر به سيد قطب، حيث رأى أن المجتمع المصري يقوم على أسس جاهلية لعدم احتكامه لله سبحانه وتعالى في الحكم، هذه الجاهلية التي تعتدي على سلطان الله في الأرض فتتحاكم إلى تشريعات وأنظمة وضعها تصور بشري محض، ومن هنا قام سيد قطب بوضع تصور حركي من خلال تقسيم المجتمع إلى فريقين.. مجتمع المسلمين والمجتمع الجاهلي، كما وضع سيد قطب أفكاره هذه في كتاب معالم في الطريق.. هذه الأفكار التي كانت مخالفة تماماً لمنهج حسن البنا ومسلكه الدعوي.
أيعقل أن تقسم مصر وشعبها إلى فريقين؟ مجتمع المسلمين، والمجتمع الجاهلي! كما قسمت الآن إلى مسلمين وعلمانيين! هذا أكبر دليل على أن التاريخ يعيد نفسه، لكن نحن من أصبحنا نملك ذاكرة أقصر من ذاكرة السمكة.