المملكة تميزت ـ ولله الحمد ـ بأن أنظمتها وتشريعاتها كلها مستمدة أو غير مخالفة للشريعة، وهذا أدى لبداية نشوء شخصية قانونية جديدة في العالم الحديث، وهي شخصية القانون الإسلامي
عندما يتنازع فريقا السلطة فإن الضحية دائما هم المستفيدون! وللأسف أن هذا يحصل في ظل غياب جهة مستقلة تراعي مصالح شريحة كبيرة من العاملين في قطاع المحاماة والاستشارات القانونية! وبالتالي يتضرر جميع المستفيدين من هذا القطاع، الأمر الذي لا يكاد أحد إلا وقد احتاج إليه ولو مرة.
المملكة تميزت - ولله الحمد - بأن أنظمتها وتشريعاتها كلها مستمدة أو غير مخالفة للشريعة، وهذا أدى لبداية نشوء شخصية قانونية جديدة في العالم الحديث، وهي شخصية القانون الإسلامي. هذا التميز جعل التأهيل للمحامي السعودي مختلفا عن أي قانوني آخر. ولذلك فإن نظام المحاماة في مادته الثالثة اشترط صراحة بأن يكون المحامي المصرح له سعوديا. بالإضافة إلى أن هذه المهنة قد يتداخلها نوع من أنواع السيادة، ولذلك فإن كثيرا من الدول لا تقبل أن يُصرح لمحامٍ أجنبي على أرضها. ولذلك فإنه حتى المحامي الخليجي أو العربي لا يحق له أن يقوم بمهنة المحاماة بشكل مباشر في السعودية طبقا لنظام المحاماة.
بينما تفاجأ الكثير من تصريح وزارة التجارة لشركة محاماة أجنبية (غير عربية)، بأن تكون شريكا مباشرا في شركة محاماة (مهنية) سعودية! الأمر الذي حدث لأول مرة في تاريخ الشركات المهنية السعودية المختصة بالمحاماة والاستشارات القانونية!
ويبدو أن وزارة التجارة استندت إلى نصوص نظام الشركات المهنية وحدها، ومارست ما يحصل مع المهن الأخرى، ولم تراجع نصوص نظام المحاماة، في ظل غياب الجهة المستقلة التي تهتم بشؤون مهنة المحاماة للأسف! ولكونه لم يسبق التصريح لأية شركة مهنية أجنبية مختصة بالمحاماة والاستشارات القانونية؛ كان من الواجب مراجعة نظام المحاماة الذي يُنظم المهنة! بالإضافة إلى أخذ رأي الجهة المسؤولة عن شؤون المهنة، ولكن للأسف أن التصريح تم.
ينص نظام الشركات المهنية في مادته الأولى على جواز مشاركة المهنيين السعوديين لشركات مهنية أجنبية في الجملة. ولكن هذا النص عام، والأظهر أنه يجب إعمال النص الخاص في المادة 40 من نظام المحاماة، الصادر عام 1423 (أي بعد نظام الشركات المهنية بقرابة 11 سنة)، والذي ينص بأنه لا تجوز له - أي المحامي السعودي - الاستعانة بمحام غير سعودي فردا كان أم شركة، أي لا تجوز له الاستعانة بشكل مباشر كشريك مثلا، وليست الاستعانة بهم كمستشارين داخل مكتب المحامي السعودي كما توضّح ذلك بقية نصوص النظام.
هذا النص الأخير يُخصص في نظري عموم نص المادة الأولى من نظام الشركات المهنية، والذي يبيح دخول الأجنبي كشريك، إلا أن وزارة التجارة للأسف لم تُراع ذلك. وأتمنى أن تقوم وزارة العدل بدورها المنشود وتتعاون مع وزارة التجارة لتصحيح الوضع، كونها هي الجهة الوحيدة التي ما زالت تقوم بواجبات وشؤون المحامين.
لم أكتب هذا المقال لمجرد هذه المخالفة القانونية، ولكن لاعتقادي الجازم بأن هذه الخطوة تهدد مستقبل مهنة المحاماة والاستشارات القانونية في السوق السعودي ككل! نعم نود أن يكون هناك انتقال للخبرات وتنويع لها، واستفادة من الخبرة الدولية، ولكن ليس بهذه الطريقة! ولو نظرنا لوضع سوق المحاسبين السعوديين لوجدنا كيف أن عددا قليلا من الشركات الدولية أصبحت تسيطر على السوق السعودي ككل! كونها تملك قدرات المنافسة أكثر بكثير من المحاسبين السعوديين.
أعتقد أن الموازنة في الأمر مهمة، ولكن أن يتم السماح للشركات الأجنبية العملاقة بمنافسة السعودي بهذا الشكل ستكون له تبعات على هذا السوق الناشئ أصلا! نعم نريد لهذه المهنة أن تتطور وتستفيد من الخبرات الدولية، ولكن ليس بالتهام سوق المهنيين السعوديين والسيطرة عليه بهذا الشكل! وهي ستؤدي بلا شك إلى اختلال توفر الخبرات والكفاءات الوطنية القادرة على حمل أعباء المهنة في المستقبل.
هذه الإشكالية التي حصلت قريبا، هي غيض من فيض من الشؤون التي تهم المحامين، مما يؤكد ضرورة الاستعجال بإيجاد هيئة خاصة بالمحامين تتولى رعاية شؤونهم وتهتم بها، ومنها إصدار التراخيص وغيرها، كما أنه يجب أن تدار باستقلال عن وزارة العدل وأن يرأسها محامٍ سابق، كون الهيئة تحتاج لأشخاص من داخل المهنة يعرفون مشاكلها واحتياجاتها.
لستُ هنا لأعاتب أحدا، بل أقدّر كثيرا جهود وزارة التجارة ووزارة العدل، وأعلم أنهم يسعون للصالح للبلد إن شاء الله، والهدف هو التعاون للتصحيح والإصلاح قدر الإمكان، والله وليّ التوفيق.