نحن نقطف، أو هم بالأحرى، علقم السكوت أو تأييد أفكار الغلو، وصحيح جداً أن بعض وقود التطرف ضد الإسلام هو شيء من قمع بعض الأنظمة السياسية في القرب لنا كإسلام ومسلمين

يتصدر مشهد حوار الإسلام والآخر هذا الشهر خبران من لندن ونيويورك حيث الأقليات الإسلامية في مهاجر الغرب تدفع، ولربما وحدها، وطأة العلاقة المضطربة تلك التي تحتاج إلى صراحة في التشخيص وإلى مكاشفة لتحديد مسؤولية الجميع كي نرفع لا عن إخواننا هناك حرج بعض أعمالنا، بل كي ننقذ هذا الدين العظيم من وطأة الحصار الذي ساهمنا في شيء بالغ من رفع الأسوار من حوله. في نيويورك، تجاهد جماعة إسلامية من أجل تفعيل ترخيص سبق لها الحصول عليه لبناء مركز للجماعة الإسلامية في قلب جزيرة مانهاتن، وعلى بعد أمتار معدودة من الغزوة القاعدية الشهيرة التي ضربت برجي تجارة أمريكا، وتقاتل هذه الجماعة لا على المستوى القانوني، فهي تحمل بين يديها إشارة البدء، بل على كافة المستويات النخبوية الاجتماعية وعلى أصعدة الإعلام المسعور الذي وصل إلى تحدي الفكرة بوصفها مثلما قالت إحدى كبريات الصحف الصادرة في نيويورك: (إقامة نصب تذكاري يمجد الاعتداء السبتمبري أمام أعين ذوي ضحايا الكارثة). هذا هو الإسلام الذي نعنيه تحت الحصار، لأن رمزية القصة آنفة الذكر، وتحول بناء مركز إسلامي جديد إلى خبر على عناوين عشرات الصحف ونشرات الأخبار التلفزيونية تحتاج إلى شرح القصة الأخرى من المعادلة. فقبل قصة هذا المركز المقترح وقبيل – غزوة مانهاتن – الشهيرة بأشهر قليلة فقط استطاعت جماعة إسلامية أخرى، وفي مانهاتن بالتحديد، شراء مقر اسمه – جمعية الشبان المسيحيين – وحولته بالاسم إلى – جمعية الشبان المسلمين – وأنهت شراءه وتراخيص الإذن بنشاطه في ظرف أيام معدودة. كل هذا لأن زمن ما قبل – غزوة مانهاتن – لم يكن بتلك الحساسية الاجتماعية المفرطة. وفي فترة الثمانينات وحتى نهاية تسعينات القرن الماضي تمكن مسلمو الأقليات في الولايات المتحدة وحدها من استخراج ما يزيد عن ألف رخصة بناء أو استئجار أو تحويل ألف مكان إلى مركز أو جامع أو مصلى ومن بينها بالوثائق التي تحتفظ بها جمعية مسلمي شمال أمريكا ما يزيد عن 300 مقر كانت سابقاً كنائس أو مقار لجمعيات مسيحية شبابية أو اجتماعية. هي ذات الفترة من عقدين من الزمن، تلك التي أقنعت ما يربو على خمسمئة جامعة أمريكية بتخصيص قاعات دراسية وقفلها كمصليات للطلاب المسلمين، بما فيها اعتراف هذه الجماعات بحق منسوبيها من المسلمين طلاباً أو باحثين أو أساتذة بالإجازة في الأعياد الإسلامية وبترك المعامل والقاعات رسمياً في ساعتي صلاة الجمعة الأسبوعية. كل هذه المعلومات، وأكثر منها تجدها على المواقع الإلكترونية لأشهر منظمتين إسلاميتين في أمريكا الشمالية وهما (ISNA) و (CARE) وستلمح المأساة الأخرى وأنت تتصفح هذه المواقع: إذ بدلاً من أن تعمل هاتان المؤسستان العملاقتان للهدف الذي كانت من أجله في نشر الإسلام وإرشاد الآلاف من الجدد الداخلين إليه في اليوم الواحد، تحولت هذه المنظمات إلى موقع دفاع عن الصورة المشوهة وإلى مجرد تقديم العون والنصح للمسلمين كي تخفف عنهم وطأة التمييز العنصري في الاضطهادين العرقي والديني لأقليات هربت للغرب من أجل الحياة والمستقبل فلحقها الشرق إلى هناك بفلوله ومنظماته وهي وحدها من يدفع اليوم الثمنين القانوني والحياتي لـ(قاعدة) الشرق المزعومة.
وفي الخبر الثاني، جماعة منهاج القرآن الإسلامية البريطانية تعقد مؤتمرها الأول حول مكافحة التطرف والإرهاب المتغلغلين في وسط نسبة من شباب الأقلية المسلمة في الجزر البريطانية. وبمثل ما صرح قائد جماعة منهاج القرآن، الشيخ محمد طاهر قادري، فإن الجماعة تنوي في العام القادم جمع عشرين ألف شاب من الأقليات الإسلامية في كل أوروبا من أجل تصحيح المفاهيم الخاطئة لا حول علاقة الإسلام بالإرهاب، فتلك حجة يدحضها تاريخ من ألف وأربعمئة عام، بل من أجل تصحيح الفهم الخاطئ لآلاف الشباب من المسلمين في العقود الثلاثة الأخيرة. ومن المفارقة بمكان أن جماعة منهاج القرآن، قائداً وتنظيماً مشغولة في خضم هذا العمل الضخم لا بالتوجه فحسب إلى شباب الأقلية الإسلامية المستهدفين بتصحيح الصورة، بل إلينا لإقناعنا في أغلبيات المواطن الإسلامية بصحة التوجه وكأنها تحارب أفكار الغلو والتكفير، إلينا من بعد، وهذا ملموس في عشرات المقابلات الصحفية والتلفزيونية التي تحدث فيها منظمو الفكرة إلى صحف وتلفزيونات عربية.
أختم أن صورة الإسلام اليوم تحت الحصار، هو حصار للمسلمين في مجتمعاتهم الجديدة. نحن نقطف، أو هم بالأحرى، علقم السكوت أو تأييد أفكار الغلو والتطرف في مسائل الحجاب والمآذن وتقييد الحريات في المراكز والمنظمات، وصحيح جداً أن بعض وقود التطرف ضد الإسلام هو شيء من قمع بعض الأنظمة السياسية في القرب لنا كإسلام ومسلمين، ولكن الصحيح أيضاً أننا لا نكاشف أنفسنا ولا نصارحها بشيء من وقودنا الداخلي في الخطأ. لم نعترف أمام أنفسنا ولأنفسنا بأننا بالفعل نحمل بذرة غلو وتطرف.