أجد أنه من الضروري أن يذكر الناس أرواح من فارقوا الحياة إما بصدقة طيبة أو بذكر طيب ينسب لهم. وفي هذه الأيام لست أجد أكثر من الدكتور مصطفى محمود، علما وطيبا وذكرا. ووفاء لهذا المعلم الكبير الذي علمنا الكثير؛ أحب أن أذكره هنا كونه كان عظيم علم، ورجل فكر، سبق زمانه وتنبأ بالعلم بالكثير مما نراه ونسمعه ونعيشه اليوم.
إنها لغة المحرقة كما يقول. إن أيا ممن قرأ مصطفى محمود لا بد أن يكون وقف مطولا متأملا لكتابه حوار مع صديقي الملحد يقول فيه: في دستور الله وسنته أن الحرية مع الألم أكرم للإنسان من العبودية مع السعادة.. ولهذا تركنا الله نخطىء ونتألم ونتعلم. ليس اختلاف نفوسنا هو اختلاف سعادة وشقاء وإنما اختلاف مواقف.. فهناك نفس تعلو على شقائها وتتجاوزه وترى فيه الحكمة والعبرة، وتلك نفوس مستنيرة ترى العدل والجمال في كل شيء وتحب الخالق في كل أفعاله، وهناك نفوس تمضُغ شقاءها وتجترّه وتحوله إلى حِقد أسود وحَسد أكّال.. وتلك هي النفوس المظلمة الكافرة.
ولمصطفى محمود موقف واضح من فكرة وجود الإنسان، وكيف يكون وجوده في الحياة، لهذا تبنى مبدأ أن الإنسان هو نتيجة للطريقة التي يفكر بها: قل لي فيم تفكر أقل لك من أنت. هل أنت مشغول بجمع المال وامتلاك العقارات وتكديس الأسهم؟ أم مشغول بالتسلق على المناصب وجمع السلطات والتحرك في موكب من الخدم والحشم؟ من هو الفقير الحقيقي والغني الحقيقي؟ الغنى والملكية الحقيقية ألا يملكك أحد. وتذكر أن الذين يملكون الأرض تملكهم. والذين يملكون الملايين، تسخرهم الملايين، ثم تجعل منهم عبيدا لتكثيرها، ثم تقتلهم بالضغط والذبحة والقلق. ثم لا يأخذون معهم مليما. ولهذا يمكن أن ينتحر مليونير يملك باخرة وطائرة وعدة ملايين من الدولارات، في حين تجد الراهب الذي يعيش على الكفاف يضيء وجهه بسكينة داخلية لا حد لها، ويسارع إلى نجدة الآخرين في محبة وسعادة، لأنه يؤمن بأن للحياة معنى وحكمة. رحم الله مصطفى محمود ترك لنا إرثا من الحكمة والنور والمعرفة.