وظائف الليلة المباركة متعددة؛ تبدأ بأداء صلاتي العشاء والفجر في جماعة، وتنتهي بالاعتكاف، وتمر بأداء الفرائض في وقتها، والقيام، والاجتهاد العام وخصوصًا في الدعاء

تهنئة موصولة لكل من بلغه الله ـ سبحانه وتعالى ـ الوصول إلى هذا الليلة المهمة من هذا الشهر المبارك ـ ليلة 27 رمضان ـ أسأل الله أن يسعدنا وجميع من تحيطه شفقة قلوبنا بليلة القدر، وأن يعظم لنا فيها الأجر ـ .. تعيين ليلة القدر من المسائل التي اختلف فيها العلماء الأجلاء على أقوال كثيرة، أوصلها الحافظ شهاب الدين أحمد ابن حجر العسقلاني الملقب بـأمير المؤمنين في الحديث في كتابه المشهور (فتح الباري شرح صحيح البخاري) أحد أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها إلى ستةٍ وأربعين قولاً، كما أوصلها الحافظ ولي الدين العراقي إلى خمسة وعشرين قولاً، وأوصلها بعض المعاصرين إلى أكثر من ستين قولاً.. يقول الإمام أبو العباس القرطبي بعد ذكر بعض أقوال من سبقه: وهذه الأقوال كلها للسلف والعلماء، وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث.. عن ليلتنا هذه يقول الحافظ ابن حجر: القول الحادي والعشرين: إنها ليلة سبع وعشرين. وهو الجادة من مذهب الإمام أحمد، ورواية عن الإمام أبي حنيفة، وبه جزم سيدنا أبي بن كعب، وحلف عليه، كما أخرجه مسلم؛ عن زر بن حبيش عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال أُبيّ في ليلة القدر: والله إني لأعلمها، وأكبر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين.. وفي موضع آخر يقول الحافظ ابن حجر عن ليلة القدر: أرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند السادة الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيس، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.
وظائف هذه الليلة المباركة متعددة؛ تبدأ بأداء صلاتي العشاء والفجر في جماعة، وتنتهي بالاعتكاف، وتمر بأداء الفرائض في وقتها، والقيام، والاجتهاد العام وخصوصًا في الدعاء؛ يقول سفيان الثوري؛ أحد أبرز علماء عصره: الدعاء في هذه الليلة أحب إلي من الصلاة.. أغلب الألسنة الليلة، لا بل كلها لن تجد دعاء تكرره أحلى مما نصح به سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوجه السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سألت معلمها الأول: يا رسول الله أرأَيت إِن علمت أي لَيلَةٍ ليلَة القدر ما أقول فيها ؟ قَال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فَاعف عني» ـ رواه الإمام الترمذي وغيره ـ حدد لها ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا النص المتعلق بالعفو لأسباب كثيرة؛ (لعل) منها إلفات النظر إلى أهمية التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ومن أجلها هذين الاسمين والوصفين له جل وتعالى شأنه، ومما يفيده قوله تحب العفو أنه سبحانه يحب من عبيده أن يتعبدوه بالعفو عن بعضهم البعض، وأن يقدموا العفو على المجازاة؛ فالتنازل بعمومه أولى من المعاقبة وإن كانت بالمثل..
*من أشعار الشخصية الجدلية المشهورة الحسن بن هانئ المكنى بأبي نواس:
يا رب إن عظمت ذنوبي كـثرة
فَلقد علمت بِأن عفـوك أعظم
أدعوك رب كما أمرت تضرعا
فَإذا رددت يدي فَـمن ذا يرحم
إن كان لا يرجوك إلا محـسن
فَمن الذي يرجو المسيء المجرم
ما لي إلَيك وسيلة إلا الرجا
وجمـيل ظني ثم أني مسلم..
ليلة مقبولة، وخواتيم مباركة، وتقبل الله من الجميع صالح الأعمال، وعيد سعيد مقدمًا.