إذا كانت أميركا والغرب يتخذون مواقفهم السياسية من خلال مصالحهم مع الأطراف المتنازعة، فلماذا ينتقد 'الإخوان' الغربَ على هذه المواقف، وهم أول من يراعي مصالحهم السياسية في اتخاذهم للمواقف
-1-
لا أحد يجادل، في أن جماعة الإخوان المسلمين، هم الحزب السياسي الديني الأكثر عدداً، والأرسخ تاريخاً، والأقوى تنظيماً، والأعمق تأثيراً سياسياً في العالم العربي. وأن الأحزاب السياسية القومية الأخرى التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن هي ما زالت تحكم في سورية وكانت تحكم في العراق إلا أنها ليست بأقوى من حزب جماعة الإخوان المسلمين، الذي كان يكتسب في كل يوم أعضاء جددا بينما الأحزاب القومية الأخرى كانت تخسر في كل يوم أعضاء قدامى!
فمن عباءة الإخوان المسلمين، خرجت كل التنظيمات الإسلامية الأخرى المنشقة التي لعبت دوراً كبيراً في السياسة العربية والسياسة العالمية بعد كارثة نيويورك 2001. ولكن هذه الأدوار كانت للأسف سلبية، لم تجلب على العالم غير الدمار، وعدم الاستقرار.
ومن هنا، كان الدور المعوّل على جماعة الإخوان المسلمين المنتشرين في كافة أنحاء العالم العربي - على عكس الأحزاب القومية الأخرى - أن يكون لهم موقف واضح وصريح ومفهوم ومنصف ومقنع من أحداث العالم العربي الآن، وخاصة بالنسبة للربيع العربي.
-2-
في عام 1991، كان لـ لإخوان في حرب الخليج الثانية، موقف واضح يتلخص في الوقوف إلى جانب صدام حسين (الفرعون)، واعتبار أن كل من يقف إلى جانب قوات التحالف، ويساعدهم في حرب الخليج الثانية كافر وضال. وهي فتوى خاصة بـ الإخوان، تندرج تحت المواقف السياسية التي يقفها الإخوان من حين لآخر، ولا علاقة لها بالدين.
-3-
ولكن، ما بال الإخوان أنهم كانوا يقفون هذا الموقف المحمود من الحرب وكواسرها وشرورها، ويسكتون ويلتزمون الصمت حول المسببين لها والباعثين عليها في العالم العربي، وحول مثيريها، ما يتمثل بجرائم صدام في الماضي والحاضر، وتعدياته على حقوق الانسان داخل العراق وخارجه، والتي كانت معروفة لدى القاصي والداني، والتي يطول شرحها؟
فنحن لم نسمع من الإخوان في يوم من الأيام إدانة لهذه الجرائم.
ولم نقرأ فتاوى لشيوخهم وأئمتهم، تدين جرائم الدكتاتورية العربية في حق المسلمين.
كما لم نقرأ لهم بياناً في يوم من الأيام يُدين هذه الممارسات. في حين أن الإخوان كانوا ناراً وسعاراً على حكم عبد الناصر الديكتاتوري، وعلى حكم حافظ الأسد في سورية فيما بعد.
-4-
فماذا يعني هذا؟ هل يعني هذا أن الإخوان، يسكتون فقط على الديكتاتوريين الذين لم يُلحقوا بهم شخصياً وبتنظيماتهم السياسية الأذى والتنكيل، ومنهم صدام حسين، ويقفون في وجه خصومهم هم شخصياً، وليس خصوم الأمة العربية والإسلامية كما رأينا في أقطار عربية مختلفة، وخلال حقب سياسية مختلفة؟
وهل هذا كان من حظ حكم صدام حسين السعيد، أنه لم يصطدم بـ الإخوان داخل العراق اصطداماً دموياً عنيفاً، كما حصل في مصر وسورية نتيجة لضعف تنظيماتهم السياسية في العراق، ولم يُصب الإخوان من التنكيل والعذاب في العراق ما أصابهم في مصر وسورية، نتيجة لعوامل سكانية ودينية وطائفية معينة خاصة بالعراق؟
فإذا كانت أميركا والغرب يكيلون بمكيالين وهذا صحيح، فما هو عدد المكاييل التي يكيل بها الإخوان، تجاه قضايا الأمة العربية والإسلامية؟
وإذا كانت أميركا والغرب يتخذون مواقفهم السياسية من خلال مصالحهم مع الأطراف المتنازعة، فلماذا ينتقد الإخوان الغرب على هذه المواقف، وهم أول من يراعي مصالحهم السياسية والمالية والحزبية في اتخاذهم للمواقف. وقد شاهدنا ذلك بوضوح في الأردن في عهد الراحل الملك حسين، وفي مصر في عهد الرئيس السادات، وفي أنحاء أخرى متفرقة من العالم العربي؟
لقد كان الإخوان يرددون في تاريخهم السياسي الطويل منذ العام 1928 وإلى الآن، أنهم هُداة وليسوا قضاة. وهذا ما قاله لهم مرشدهم حسن الهضيبي في يوم من الأيام.
فما بال الإخوان يتحولون، وينـزعون إلى أن يكونوا قُضاة لا هُداة، تجاه بعض الأنظمة الدكتاتورية العربية؟
أين هدايتهم ونصحهم، لبعض الأنظمة الدكتاتورية العربية، طيلة نصف قرن ماضية؟
أين كلمتهم الحق في جرائم الدكتاتورية العربية؟
هل سمعتم - أيها القراء - في يوم من الأيام كلمة نقد واحدة أو كلمة حق واحدة صادرة عن الإخوان المسلمين، في حق بعض الأنظمة الدكتاتورية العربية؟
وهل وجّه الإخوان إلى صدام حسين - مثلاً - نداءً بالتنحي، حتى يجنّب الأمة الدمار والخراب؟
وإلى متى يستمر الإخوان في مواقفهم السياسية الملتبسة والمراوغة بفتح عين على جانب من قضية ما، وبإغماض عين على الجانب الآخر؟
-5-
إن سكوت الإخوان عن الحق، قد ساق جموعهم ومناصريهم إلى الضلال الذي يتخبط فيه العالم العربي والإسلامي الآن، والله عز وجل، هو القائل في القرآن الكريم (فما بعد الحق إلا الضلال) (يونس:32)
فأين الصدقية الدينية والسياسية في مواقف الإخوان؟
وكيف يريد الإخوان من الشارع العربي والإسلامي أن يتحرك الآن، وهم لم يحركوه من قبل، ولو بطرف قشة، تجاه جبروت الطغاة، وظلم الديكتاتوريين؟
ولو كان الإخوان هُداة لا قضاة - كما أمرهم مرشدهم (حسن الهضيبي) أن يكونوا في الخمسينات من القرن الماضي - لاتبعناهم جميعاً دون تردد، نزولاً عند أمر الله وتصديقاً لقوله تعالى عز وجل: (فمن يهدي إلى الحق أحق أن يُتبع) (يونس:35).
إننا لا نريد لـ لإخوان أن يكونوا من فريق الممترين الكاتمين للحق، الذين قال الله عز وجل فيهم: (وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (البقرة: 146).
فهل من زعماء الإخوان من يهدي إلى الحق الأحق هذه الأيام، قبل أن تقع الفأس بالرأس؟
أم أن الفأس قد وقعت فعلاً بالرأس، وجئنا متأخرين عن موعد قرع الجرس كالعادة دائماً!