حياة الأفراد مهما كانت متواضعة أو باذخة فإن ما يبقى منها هو تاريخها، غير أن الوضع في عالمنا العربي مختلف تماماً، إذ لا توجد متاحف تطلعنا على حياة هؤلاء إلا فيما ندر
حين يذهب أحدنا إلى اللوفر يجد أن من أهم الأقسام التي تلفت النظر في هذا المتحف العالمي الفريد: شقة (نابليون الثالث)، وهي صورة واضحة للحياة الباذخة التي عاشها هذا الإمبراطور الفرنسي، فالأسقف والأبواب والنوافذ ومصابيح الإضاءة، وأماكن الاجتماعات والمقاعد والأرائك والأواني واللوحات والهدايا الفاخرة، وحتى العرش الذي جلسَ عليه وحمل الحرف الأول من اسمه، أشياء تنتمي له شخصياً، لكنها بالنسبة للناس وللتاريخ تحمل دلالة مادية على وجوده وعلى ما كانت عليه حياته التي قضى جزءاً منها منفياً في أوروبا، قبل أن يحصل على أكثر من خمسة ملايين صوت ويفوز بالانتخاب رئيساً لفرنسا، حيث يرى الناس كم كان مستأثراً ومتملكاً لكنه رغم ذلك لم يترك أكثر من هذه الأشياء التي طغت على تاريخ الفكر الذي تركه مثل: الأفكار النابليونية، وانقراض الفقر.
في المقابل، وفي شارع خلفي في الحي الباريسي الشهير (الحي اللاتيني)، قد لا يحرص زائر باريس على المرور بالمبنى الذي وجد فيه بيت أحد أشهر الرؤساء في العالم، لأن المبنى لم يكن قصراً عظيماً ولا برجاً عالياً، بل إنه مجرد مبنى متواضع مكون من أربعة طوابق ربما يعود للقرن الماضي، وفي الدور الثاني منه توجد الشقة التي سكنها رئيس الجمهورية الفرنسية الراحل (فرانسوا ميتران).
إنها شقة متواضعة في مبنى تقليدي. وثمة حديقة-شبه مهجورة اليوم- تقبع أسفل المبنى، لا يوجد بها سوى بعض الشجيرات ودكة للجلوس، استطعت أن ألتقط صورة للمبنى بعد أن رأيت رجلا وامرأة يجلسان، لا أعلم حتى هذه اللحظة أهما من الزوار أم الساكنين، لكني أدركت أن هذا المكان الذي عاش فيه الرئيس كان في وسط الناس، ولم يكن مسجوناً في نخبوية ما؛ إذ لم يكن يفصل المبنى عن الشارع المقابل سوى سياج حديدي، لا يشبه أبداً أسوار قصور الزعماء والرؤساء، بل إن البوابة المؤدية للمبنى مفتوحة طوال النهار، وقد عاد ميتران إلى شقته المتواضعة تلك بعد انتهاء فترة رئاسته وخروجه من قصر الإليزيه ومكث فيها حتى وفاته، وقد حدثني أحد الأصدقاء بأن الحماية الأمنية للرئيس لم تكن تفصله عن الناس، حيث يوجد شرطي واحد في الشارع لا يبدو عليه أنه يحرس قصر الرئيس.
ليس ميتران ملاكاً ولا شخصاً خالياً من الأخطاء والآثام، بل إن لديه أخطاءه السياسية التي يعرفها الفرنسيون، ولديه أيضاً حياته الاجتماعية المثيرة للجدل التي تعتبر مادة سياسية دسمة للصحفيين والمؤلفين حتى يومنا هذا؛ مما يعمي أن سيرة بعض الأشخاص في هذا العالم هي رجع الصدى لما بعد موتهم. والمنزل هو جزء من الإنسان، ربما أن دلالته هي أكثر من مكان يحمي ساكنيه من مختلف التغيرات البيئية والأخطار البشرية، وكل المشاهير في العالم بقيت منازلهم ذات دلالة تاريخية على نمط الحياة التي عاشوها، وعلى طريقتهم في الحياة من خلال الأشياء التي تركوها بعد أن رحلوا إلى حياتهم الأخرى.
لكن بيوت الكثير من المشاهير في الحضارة البشرية ليست دوماً فاخرة، فالقيمة الحقيقية ليست في المبنى بقدر ما هي في البشر الذين سكنوه، أو بعبارة أخرى: إن قيمتها إنسانية وتاريخية وثقافية، أكثر من كونها مكاناً عاش فيه شخص ما وربما مات في المكان ذاته.
وما أريد الوصول إليه هنا من استنتاج هو: أن حياة الأفراد مهما كانت متواضعة أو باذخة فإن ما يبقى منها هو تاريخ هؤلاء الأفراد، غير أن الوضع في عالمنا العربي مختلف تماماً، وكأننا نعيش في كوكب آخر، إذ لا توجد متاحف تطلعنا على حياة هؤلاء إلا فيما ندر؛ وربما يعود السبب إلى أن جزءا من التاريخ لا يولد تلقائياً بل تتم صناعته، وعلى من أدرك حقيقة الحياة أن يترك شيئاً يُذكر بعده.
من جهة أخرى، نجد إن غالبية المشاهير والزعماء في العالم العربي خاصة يبقى تاريخهم المادي منسياً، إذ إنهم ينقسمون إلى فئتين، الفئة الأولى يعيش أصحابها حياة هادئة لكنهم حين يقتربون من الموت تكون حالهم أقرب إلى حياة التشرُّد والضياع، لا يملكون من حطام الحياة شيئاً، رغم ما كانت عليه حياتهم السابقة من إثارة وعالم حافل بالإنجازات، غير أنهم لا يتكئون على منجز مادي يُعتمد عليه في تصور حياتهم ومآثرهم. أما الفئة الأخرى وهم الذين يعيشون حياة باذخة بل فاحشة، لكنهم حين يرحلون تبقى أماكن وجودهم سرية للغاية، وكأن الغاية من ذلك هو عدم إطلاع الناس عليها لئلا يدور في خلدهم أنهم اقتطعوا جزءاً كبيراً من حياة غيرهم، إذ لا يوجد الغنى الفاحش في ضفة إلا ووجد فقر مدقع في الضفة الأخرى.