الحوار بطبيعته عمل اختياري وحر، بمعنى أنه لا يتحقق إلا بإرادة حرة للمشاركة ولا يستمر إلا باستمرار هذه الإرادة. الإجبار لا يحقق حوارا. في أحسن الأحوال يحقق الإجبار تحقيقا أو مساءلة أو استنطاقا

انتهى المقال السابق بتحديد شرطين جوهريين للحوار. الشرط الأول هو أن يحدث الحوار في المساحة البينية، أي المساحة المشتركة التي لا يستطيع أي طرف امتلاكها بالكامل ولا عزل الأطراف الآخرين عن دخولها أو امتلاك مفتاح وأذونات المشاركة فيها. الشرط الثاني كان عن تبادل أدوار الضيافة بين أطراف الحديث على مدار الحوار. بمعنى أن يمارس كل الأطراف دور المضيف والضيف في ذات الوقت. هذا الشرط يصبح واضحا بعد تقرير الشرط الأول، لأن الضيافة هنا على مكان مشترك بيني وليس خاصا يمكن أن يدّعي أحد الأطراف استحقاق دور المضيف وحصر الآخرين في مكان الضيوف والذي يترتب عليه بالضرورة أنهم طارئون وليسوا أهلا أصليين للمكان. هذا المقال سيكون في المزيد حول هذين الشرطين.
إذا كان للحوار ـ داخل هذه الاشتراطات ـ من صورة فلا بد أن تكون صورة اجتماعية. الحوار في هذه الصورة نشاط وعلاقة تتم اجتماعيا. بمعنى أنه يتحقق داخل علاقة اجتماعية لها طبيعتها وخصائصها والتزاماتها. الحوار بطبيعته عمل اختياري وحر بمعنى أنه لا يتحقق إلا بإرادة حرّة للمشاركة ولا يستمر إلا باستمرار هذه الإرادة. الإجبار لا يحقق حوارا. في أحسن الأحوال يحقق الإجبار تحقيقا أو مساءلة أو استنطاقا. الإجبار يسحب الحوار من المساحة البينيّة المشتركة إلى مساحة الطرف الأقوى. لكن، رغم الطبيعة الحرّة للحوار إلا أن العلاقة الحوارية تربط أفرادها بالتزامات متعددة يجب عليهم الوفاء بها ما داموا راغبين في الاستمرار في علاقة الحوار. الالتزامات هنا بين الأطراف المتحاورة، التزامات تجاه الحضور الحقيقي أو الافتراضي الذي قد لا يشارك مباشرة في الحوار. لن أتحدث هنا عن الالتزامات الأخلاقية التي تحكم العلاقات الإنسانية بشكل عام، ولكني سأتحدث فقط عن الالتزامات الناتجة عن تصوّر العلاقة كضيافة.
من أصلها اللغوي على الأقل تعني كلمة الضيافة القيام بعملية زيادة على الأصل، يضيف بمعنى يزيد. هذه العملية تقوم بدورين متزامنين. الأول إضافة الجديد أو الطارئ للأصل. بمعنى أنها إدخال لشيء لم يكن موجودا في الأصل. الثاني هو الإبقاء على حالة الجديد على أنه ضيف وعدم دمجه في المضيف. أي الإبقاء على هويته الأصلية كخارجي أو جديد. هذه العملية مركبة وجدلية تشمل في ذات الوقت الجذب والطرد، الدمج والتمييز، التبني والنفي. هذه الجدلية هي الآلية التي يمكن أن يتحقق داخلها الحوار. بمعنى أنها الآلية هي يمكن أن تجمع أطراف الحوار دون أن يتحولوا إلى طرف واحد. أو الآلية التي تساعد أطراف الحوار على أن يعطي كل واحد منهم ذاته للآخر دون أن يفقد ذاته ويتحول للآخر. ينتج عن هذا أيضا أن الحوار ليس منتجا أو ثمرة لطرف دون الأطراف الأخرى، بل هو ثمرة للعلاقة الحوارية التي نشأت. هذا لا يعني أيضا أن الحوار لا يُنسب لأفراده، بل هو منتجهم وعلاقته بهم سببية، وإن رفضنا احتكاره لأحدهم دون الآخر.
ظهر معنا حتى الآن سمتان جوهريتان للحوار. الأولى كونه عملا حرا داخل التزامات، والأخرى أنه نتيجة لاندماج وتمايز. هو في الأخير حالة في الوسط، ولذا فهو حالة هشّة ومحفوفة بالمخاطر. بالنسبة للسمة الأولى نحن بين حالة التحرر التام من أي التزام تجاه الطرف الآخر، ولكي لا نبالغ في تصوّر هذه الحالة سأكتفي بوصف هذا المزاج: الحوار هو أن تقول ما تعتقد بلا مبالاة بما ينتج عن هذا الكلام. مشكلة هذا التصوّر أنه يغيب عنه الدور المشارك للطرف الآخر في العملية، مما يجعلنا أمام حالة تعبير فردية لا يمكن وصفها بالحالة الحوارية. الطرف الآخر من هذه المعادلة يمكن التعبير عن مزاجها بهذه الصيغة: الحوار هو ألا تزعج الطرف الآخر وأن تخفي ما قد يؤذي مشاعره. هذه الحالة أيضا تعطي مساحة قاتلة للالتزام المشترك داخل الحوار، مما يجعله عملا مزيّفا يفتقد للواقعية. في الحالة الأولى نفتقد الشعور بمشاركة الطرف الآخر في الحوار، وفي الحالة الثانية نفتقد الصدق والصراحة. هذه إشكالات حقيقية في السمة الأولى للحوار: الحوار كحرية والتزام.
السمة الثانية: الحوار كدمج وتمييز لديه إشكالات مشابهة. إذا كان الحوار يتحقق بين حالتي الدمج والتمييز معا فإن كل حالة وحدها تبقى عاجزة عن إنتاج حالة حوار. خطر الدمج وحده يمكن التعبير عن مزاجه بهذه الصيغة: في الحوار يتحول المتحاورون إلى شخص واحد يبحث عن الحقيقة. بالنسبة لحالة التمييز فيمكن التعبير عن مزاجها كذلك بالصيغة التالية: التفكير الحقيقي هو التفكير الفردي المتحرر من المشاركة. قد تبدو هذه الصيغ فجّة حين توضع بهذا الشكل، ولكنها قد تساعدنا على فهم تلك النزوعات والرغبات والمزاجات المتضاربة والتوترات التي تصاحب أعمال الحوار وتجاربنا فيه. الأكيد أننا مع المزاج الأول نفتقد الوجود الحقيقي للأفراد باختلافاتهم الطبيعية التي تحفظ لهم وجودهم المستقل. كما أننا نفتقد في الحالة الثانية حالة المشاركة وإمكان العلاقة.
يمكن القول أيضا: إن السمتين السابقتين ليستا سوى وجهين لقضية أو إشكالية واحدة، وهي أن الحوار لا يتحقق إلا في المساحة المشتركة البيّنية. وبالتالي فإن الحوار كعلاقة هو صورة لكثير من علاقاتنا الاجتماعية التي بطبيعتها لا تتأسس إلا بمشاركة جميع أطرافها، ولكنها في كثير من الأحيان تفشل في تحقيق مشاركة طبيعية لهذه الأطراف. أفكر هنا عن علاقات مثل الزواج والصداقة والحب. يقول مارتن بوبر في عبارة مؤثرة: الحب بلا حوار علاقة شرّيرة. يمكننا مدّ هذه العبارة على الزواج والصداقة كذلك. الشرّ هنا هو أن العلاقة غير الحوارية علاقة غير عادلة تعني بالضرورة إما هيمنة طرف على الآخر أو أنها علاقة صورية لا يوجد في داخلها رابط حقيقي. هذه المقالة ربما كانت مكثّفة بشكل زائد، ولذا ربما تكون المقالات القادمة عبارة عن حوار معها.