الذين أربكهم هذا التوجيه ورأوا فيه نوعا من تضييق الواسع هم في حقيقة الأمر خائفون من أفول سلطة الشيخ، والتي طالما استغلها كثير من المتشددين في محاولة إخراج قناعاتهم من حيز الخاص إلى حيز العام
إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا، يعد قيمة دينية ذات تطبيقات اجتماعية، إلا أنّ الدولة اتّجهت مبكّرا إلى ضبطها بضابط المؤسسة، لتتم من خلال الدولة وكجزء من مؤسسات الدولة، ولنا أن نتخيل كيف لو أن هذه القيمة الدينية بقيت مطلقة هكذا لكلّ من يرى في ذاته إيمانا بها أن يؤديها كما يرى، في الواقع ربما تحول الشارع السعودي إلى شارع صدام وتسلط من شرائح على شرائح أخرى.
المساجد ومنابر الجمعة، هي أيضا قيمة دينية عليا، وهي متاحة لكلّ من يجد في نفسه الكفاءة، وعلى امتداد التاريخ الإسلامي كانت متاحة لكل من هم من أهل العلم والفقه، إلا أن هذا المتاح المطلق لا موقع له في زمن الدولة، إذ عليها أن تقدم إدارة مؤسساتية لهذه الشعيرة الدينية وإلا لأصبحت عنصر قلق وزعزعة لاستقرار الدولة لأنها ببساطة تعمل خارجها.
الدولة القطرية الحديثة هي دولة مؤسسات بامتياز، وما يؤثّر في نوعية وشكل تلك المؤسسات هو القيم الثقافية التي تمثل الوجدان العام لتلك الدولة، وفي المملكة العربية السعودية، وحيث يعد التدين واحداً من أبرز العوالم إسهاما في تكوين الشخصية السعودية، بمختلف فعالياته وجوانبه يصبح من واجب الدولة ومن أبرز عوامل استقرارها أن تسعى لتحويل تلك الفعاليات إلى مؤسسات.
ليس أكثر تأثيرا من الفتوى في حياة المجتمعات ذات الطبيعة الدينية، بل لقد باتت أشبه ما تكون بقرار فقهي، يملك كثيرا من عوامل التأثير إلا أنه لا يملك أية عناصر للتنفيذ، لأنها حين تمتلك عناصر التنفيذ تتحول الدولة إلى نظام أشبه ما يكون بـ (ولاية الفقيه) حيث إن الرؤية الفقهية هي التي تهيمن على السلطة وتوجهها، بل ويصبح السياسي أشبه شيء بالمقاول الأمني للفقهي وهو ما يربك فكرة الدولة أصلا ناهيك عن قيمة المؤسسات والعمل المؤسساتي.
إن مما وفق الله التجربة السياسية السعودية أنها انتبهت مبكرا لخطر هذه الازدواجية، فاتجهت منذ البدايات إلى تحويل مختلف الفعاليات ذات الخلفية الدينية والتأثير الديني في حياة الناس إلى مؤسسات تدار من خلال الدولة، وتتحول بالتالي إلى عوامل استقرار حتى وإن مر على بعضها الكثير من الأخطاء، إلا أن الدولة هي المرجع الأخير لها في كل شؤونها.
إذن فالمؤسسات الشرعية هي تلك القائمة على الموازنة بين الخلفية الفقهية والأداء المؤسساتي وهي تعتمد على أنظمة وسياسات وقوانين تدير من خلالها مهامها الفقهية والشعائرية في حياة الناس.
كان التوجيه الملكي الكريم الذي صدر هذا الأسبوع بشأن الفتوى محطة مهمة للغاية من محطات إدارة الدولة للعمل الفقهي وتحويله إلى عامل استقرار لا عامل تفرقة وتناحر، خاصة مع ما شهدته الساحة من فتاوى أرهقت المزاج العام، وبرغم افتقارها لأدنى درجات التأثير المؤسساتي إلا أن خطرها يتمثل في تأثيرها الوجداني على حياة مجتمع يمثل التدين عصبه الروحي والفكري، وبخاصة تلك الفتوى التي تحدث شقاقا داخل الأسرة الواحدة، وتجعل الشخصية السعودية في حالة من الازدواجية بينها وبين ما تؤديه المؤسسات التنموية. وحين تتجه الفتوى القادمة من خارج المؤسسات الشرعية لتتداخل مع أفكار الدولة ورؤيتها وحياة الناس ومستقبلهم، خاصة مع تحكم خطاب فقهي تقليدي ظل في كثير من جوانبه عاجزا عن مسايرة الواقع والانتباه له، وأدخل نفسه في كثير من الحرج حين لم يجدد أدواته الفقهية مما جعل منه مصدرا للتحريم والتحوّط أكثر من كونه مصدرا للفتيا بمعناها الإيجابي، كان التوجيه الملكي الكريم بشأن قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء موقفا دينيا ووطنيا سوف يسفر عن استقرار طالما احتاج إليه السعوديون، وبخاصة مع ازدهار وسائل الاتصالات التي جعلت من كثير من الفتوى مادة لتشويه صورة الالتزام السعودي والثقافة السعودية.
سماحة المفتي قال كلاما مهما للغاية عن التوجيه الملكي، حين أوضح أنه لا يعني الحجر على أحد، وهو توضيح مهم للغاية، فالفتوى في زمن الدولة لا تختلف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن الإمامة والخطابة، وكلها فعاليات لا يمكن لأحد القيام بها إلا في ظل مؤسسات رسمية.
الذين أربكهم هذا التوجيه ورأوا فيه نوعا من تضييق الواسع هم في حقيقة الأمر خائفون من أفول سلطة الشيخ، والتي طالما استغلها كثير من المتشددين في محاولة إخراج قناعاتهم من حيز الخاص إلى حيز العام، ومقارعة كثير من الأنظمة والتشريعات، بل هم أولئك الذين يسعون إلى تقديم صورة للفقيه وكأنه الحارس الأبرز للدولة والمرجع المؤثر في قراراتها، وكثير من الفعاليات التنموية غالبا ما تحظى بموقف سلبي من قبل الذهنيات الفقهية التقليدية مما أوقعها في حالة صدام صامت مع المجتمع، ذلك أن الفقه التقليدي إلى الآن لم يستوعب زمن الدولة ولا زمن المؤسسات.
كان الاحتساب محورا مهما في التوجيه الملكي الكريم ومن خلال لغة صارمة جاءت لتحمي المؤسسات الشرعية من تكفل أولئك الذين يدعون الدفاع عنها فيما هم أول المخترقين لها، والذين حولوا الاحتساب إلى منشط حركي وخروج على سلطة الدولة وتوهموا في أنفسهم دور القيم والمراقب للدولة، وهي بداية لترويج قيمة الإنكار غير المنضبط والتي مثلت في أحايين كثيرة مبررا وحافزا للعنف والإرهاب.
إن التوجيه الملكي الكريم لحظة رائدة في التاريخ السعودي الحديث، وتثبيت لسلطة المؤسسة، ذلك أننا في زمن الدولة بكل ما تحمله من مؤسسات وتشريعات وأنظمة ولا مكان في زمن الدولة للتأثير في حياة الناس خارج المؤسسات ولا مكان للمجاميع الاحتسابية، لأنها ببساطة محاولة لإيجاد دولة ظل مهما تذرعت بالخير والصلاح إلا أن استقرار الدولة أهم من رضا المحتسبين وطموحاتهم .