يمكن للتجنيد الإجباري أن يكون مرحلة انتقالية للشباب تتيح لهم التدريب وتعلم الحرف في ظل مناخ عسكري ملزم يعالج الآثار الاجتماعية السلبية التي تولدت نتيجة الطفرة النفطية والاقتصاد الريعي
طرح الأستاذ عبدالعزيز قاسم في مقاله خدمة العلم.. في أي الأدراج يا مجلس الشورى هنا في الوطن بتاريخ 2 /9 /2013 فكرة التجنيد الإجباري للشباب في المملكة كوسيلة للتحصين الفكري ورفع الروح الوطنية، وكذلك كمدخل نستعد من خلاله للدفاع عن بلدنا كون الأوضاع الراهنة إقليميا والجو المشحون نتيجة اقتراب نذر الضربة العسكرية الأميركية المحتملة ضد سورية تحتم أن يكون أبناء الوطن هم الخليقين بالدفاع عنه.
وقد سبق لي كتابة سلسلة من المقالات هنا في الوطن عن موضوع التجنيد الإجباري على مدى عدة أعوام: التجنيد الإجباري.. خيار المستقبل 17 /2 /2008 والتجنيد الإجباري.. ملف يجب أن يناقش بكل جدية 27 /9 /2009 والتجنيد الإجباري ليس عملا عسكريا بالضرورة 4 /10 /2009 والتجنيد الإجباري مرة أخرى 27 /6 /2010 والتجنيد الإجباري والبطالة 9 /4 /2012، ولا شك أن فكرة التجنيد الإجباري تعد أحد المشاريع التي يجب النظر فيها جديا ودراسة عوائدها على المجتمع، ولعلي من أكثر المؤيدين لهذه الفكرة والتي عملت على طرحها مرارا من خلال مقالاتي بهذه الصحيفة.
ومع تأييدي لقيام الأستاذ عبدالعزيز قاسم بطرح الفكرة وهو الأمر المأمول من كتاب الرأي والإعلاميين من أجل مناقشة اجتماعية صحية لهذه الفكرة إذا ما أردنا فعلا السعي لتطبيقها، إلا أنني أختلف مع ما ذهب إليه في مضمون مقاله، حيث وقع الأستاذ عبدالعزيز قاسم فيما أعتقد أنه فخ اعتبار مشروع التجنيد الإجباري مجرد مرادف للتعبئة العسكرية للشباب، وهو الأمر الذي حاولت على مدى المقالات المتعددة التي طرحت فيها الفكرة السعي لنفيه وإثبات أن التجنيد الإجباري كمشروع وطني أوسع وأشمل من مجرد التعريف الضيق له كجيش احتياط، وأن التجنيد الإجباري كفكرة مشروع أهدافه اقتصادية واجتماعية وليست عسكرية، بل على العكس يمكن القول إن استخدام المقاربة العسكرية لتأييد مشروع التجنيد الإجباري قد تكون له انعكاسات سلبية لا تخدم الفكرة أو مؤيديها.
إن المطالبة بمشروع للتجنيد الإجباري كوسيلة للمجتمع لن تتأتى ما لم تتحدد الغاية الواضحة من مثل هذا المشروع، وهو الأمر الذي لا يزال بعيدا عن النقاش الجاد، سواء على الصعيد الاجتماعي أو الإعلامي، فبالنظر إلى تجارب الدول المحيطة بنا أو غيرها من التي تفرض الخدمة العسكرية على مواطنيها نجد أن الغاية منها ترتكن لأسباب ودوافع غائبة عنا وليست مجالا للمقارنة ابتداء. فمصر وعدد من الدول العربية الأخرى فرضت الخدمة العسكرية على مواطنيها إما نتيجة وجود حالة حرب حقيقية تستدعي الاستعداد الدائم أو حالة التعبئة العسكرية الواسعة، أو من جهة أخرى فرض عدد من الدول هذه الخدمة الإلزامية كوسيلة لعسكرة المجتمع على إثر انقلابات قادت لحكومات عسكرية، وهو ما يخدم هذه الحكومات من خلال جعل الجيش المؤسسة الإدارية الأقوى في الدولة. إسرائيل كمثال آخر حولنا تفرض هذه الخدمة نتيجة تباين عدد سكانها مع محيطها ولحاجتها لاستخدام التجنيد كوسيلة لصهر مجتمع مكون من مهاجرين من مختلف دول العالم.
إن صواب فكرة مشروع التجنيد الإجباري من عدمها ليست لذات الفكرة وإنما تتحدد بناء على الغاية المتوخاة من مثل هذا المشروع، ومن الناحية العسكرية فإن سياسة المملكة لا تتطلب أي توجه نحو عسكرة المجتمع، كما أن الحروب في الوقت الراهن باتت أكثر اعتمادا على قوات أصغر أعلى تدريبا وكفاءة وعلى أسلحة استراتيجية أكثر تأثيرا وفعالية، ومن ثم فإن وجود جيش احتياط قوامه 8 ملايين رجل، كما ذهب الأستاذ عبدالعزيز قاسم في المثال الذي طرحه، ليس له تأثير كبير على موازين القوى ما لم نكن نتحدث عن حروب بحجم الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهو أمر مناف للواقع في هذا الزمن (في الواقع تبرز أهمية الأعداد عند مقارنة الاختلاف في الأحجام الأصغر، كالمقارنة بين الجيش الإيراني الذي يبلغ قوامه 500 ألف رجل تقريبا والجيوش الخليجية التي يبلغ قوامها مجتمعة حوالي 250 ألف رجل تقريبا).
في المقابل تبرز فائدة مشروع التجنيد الإجباري عند النظر لعوائده الاقتصادية والاجتماعية، وأن يكون المشروع بمثابة عملية تدخل جراحي لمعالجة المشكلة الاقتصادية الأهم في مجتمعنا وهي البطالة، ليس من خلال جعل التجنيد مجرد بطالة مقنعة وإنما بجعل التجنيد الإجباري عملية انتقالية بين كل من نظام التعليم وسوق العمل، فالمعضلة الرئيسية لدينا هي أن مخرجات نظام التعليم لا تتوافق مع حاجة سوق العمل، وبينما يحتاج التعليم لفترة طويلة من الإصلاح لكي تبدأ مخرجاته بالتوافق مع حاجة الدولة الاقتصادية فإن سوق العمل يتطلب حلولا سريعة لرأب الصدع، وهنا يمكن للتجنيد أن يكون بمثابة مرحلة انتقالية للشباب تتيح لهم التدريب وتعلم الحرف في ظل مناخ عسكري ملزم مما يعالج من جهة أخرى الآثار الاجتماعية السلبية التي تولدت نتيجة الطفرة النفطية والاقتصاد الريعي.
بعض الدول، كمصر والولايات المتحدة، تعتمد على الفيلق الهندسي لقواتها المسلحة ومجنديها خلال أوقات السلم للقيام بمشاريع بنية تحتية وخلافها، وهو ما يمكن النظر فيه كإحدى فوائد مثل هذا المشروع، حيث إن مشاركة الشباب كمجندين في مشاريع وطنية تحت إشراف الجيش ستتيح لهم التدريب والمشاركة الفاعلة في بناء الوطن بأيديهم، إضافة للدخل المادي المباشر. بالإضافة إلى ذلك يمكن النظر في تجارب دول أخرى، كألمانيا، التي تتيح برامج مدنية بديلة لمجنديها العسكريين من خلال إتاحة الباب للشباب للخدمة الاجتماعية بدلا من العسكرية، كأن يختار الشاب العمل في مجالات اجتماعية مدة خدمته العسكرية الإلزامية، سواء في المستشفيات أو دور العجزة أو الإسعاف والمطافئ أو حماية البيئة وغيرها من المجالات الشبيهة، ومثل هذا البرنامج يمكن أن يكون أساس برنامج التجنيد الإجباري الذي نناقشه، فالغرض هنا ليس العمل العسكري على وجه الخصوص، أو تدريب الشباب على حمل السلاح، وإنما ثقافة التجنيد الإجباري للشباب لخدمة الوطن ولمعالجة مشاكله الاقتصادية، وفي النهاية تظل فكرة هذا المشروع بحاجة لمزيد من النقاش حتى تتبلور بالشكل السليم وتتم دراستها من عدة أوجه تكشف وجه الحقيقة عما إذا كان مثل هذا المشروع يخدم المجتمع بالفعل أم لا.