هيئة مكافحة الفساد لا تستطيع أن تقيس مستوى 'النزاهة' في الجهات الحكومية ككل، وبالتالي يصعب على الهيئة القيام بمهامها في مجال حماية النزاهة
تتكون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بحسب تنظيمها من قطاعين مهمين: قطاع مكافحة الفساد، وقطاع حماية النزاهة، وذلك بحسب ما جاء في المادة (الثامنة) من تنظيم الهيئة والتي تنص على أن يتكون الجهاز الإداري في الهيئة من عدد من الإدارات المختصة ومنها: إدارة لحماية النزاهة، وإدارة لمكافحة الفساد.
كما تضمنت المادة (الرابعة عشرة) من التنظيم نفسه أن يعد رئيس الهيئة تقريرا سنويا يشتمل على تقويم لوضع النزاهة والفساد في المملكة، وقد ناقش مجلس الشورى التقرير السنوي الأول للهيئة، وكانت الملاحظات تتركز على جهود مكافحة الفساد، مع إشارات مقتضبة إلى حماية النزاهة! بالإضافة إلى عدم التطرق إلى نتائج تقويم وضع النزاهة والفساد في المملكة، مما يعني وجود غموض حول دور الهيئة في مجال حماية النزاهة.
ومن خلال متابعتي لتصريحات مسؤولي الهيئة المنشورة في الوسائل الإعلامية حول دور الهيئة في حماية النزاهة، اتضح أن دورها يتمثل في الوقاية من الفساد من خلال التوعية والتثقيف، ومراجعة الأنظمة واللوائح مع الجهات الرسمية ذات العلاقة، وسد الثغرات التي يأتي من خلالها الفساد.
ومما سبق يتضح أن الهيئة ما زالت في خطواتها الأولى نحو تقييم وحماية النزاهة، فهي تدرك دور النزاهة في الوقاية من الفساد، ومع ذلك لا تمتلك الأدوات والآليات اللازمة التي تساعد في عمليات التقييم.
صحيح أن الهيئة تطرقت إلى مراجعة الأنظمة واللوائح وسد الثغرات، واعترافها أيضاً بغياب تطبيق مبدأ المساءلة والمحاسبة، الأمر الذي أدى إلى زيادة ممارسات الفساد، بالإضافة إلى عدم تجاوب الوزراء ورؤساء بعض الجهات الحكومية لطلب الهيئة في التحقيق وتطبيق العقوبات على المخالفين، وهذه الأمور مجتمعة تدخل ضمن إطار حماية النزاهة، إلا أنها تمثل مشكلة النزاهة ولا تدخل ضمن آليات التقييم.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الهيئة استطاعت تحديد المشكلة، وفي الوقت نفسه لا تستطيع قياس أبعادها، كما لا تستطيع أن تقيس مستوى النزاهة في الجهات الحكومية ككل، وبالتالي يصعب قيام الهيئة بمهامها في مجال حماية النزاهة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن هناك أربع مهام رئيسية للهيئة تتعلق بحماية النزاهة وهي كالتالي:
• تشجيع جهود القطاعين العام والخاص على تبني خطط وبرامج لحماية النزاهة.. ومتابعة تنفيذها وتقويم نتائجها.
• مراجعة أساليب العمل وإجراءاته في الجهات المشمولة باختصاصات الهيئة بهدف تحديد نقاط الضعف التي يمكن أن تؤدي إلى الفساد، والعمل على معالجتها.
• اقتراح الأنظمة والسياسات اللازمة لمنع الفساد ومكافحته، وإجراء مراجعة دورية للأنظمة واللوائح ذات الصلة.
• متابعة مدى قيام الجهات المشمولة باختصاصات الهيئة بما يجب عليها إزاء تطبيق الأنظمة المجرمة للفساد المالي والإداري.
وبناءً على ما سبق، فإني أتساءل: هل قامت الهيئة بمراجعة أساليب العمل في الجهات الحكومية؟ وهل قامت هذه الجهات بتبني برامج وخطط لحماية النزاهة؟ وأخيراً ما هي الأدوات اللازمة للقيام بهذه المهام؟
قد يقول قائل إن الهيئة بصدد مراجعة الأنظمة واللوائح والسياسات، وقد دعت في سبيل تحقيق ذلك، جميع المهتمين والمختصين في هذا المجال لإبداء آرائهم حول الثغرات الموجودة في هذه الأنظمة وسبل معالجتها.
وأقول: النزاهة لا تعني فقط تطبيق الأنظمة واللوائح، ولا تتعلق فقط بمراجعة الثغرات، فتطبيق القوانين مجرد نقطة البداية في مجال حماية النزاهة، وهي تشتمل على خليط من إجراءات الردع والمنع، بمعنى أن على كل جهة حكومية تبني إجراءات كفيلة بردع موظفيها إذا ما قاموا بارتكاب أعمال مخلة بالنزاهة (إجراءات ردع)، كما يجب على الجهة الحكومية أيضاً أن تعمل على إزالة أية مغريات قد تحفز الموظفين على ارتكاب أعمال غير أخلاقية (إجراءات المنع).
ومن الأمثلة التي يمكن طرحها في هذا المجال، لتوضيح إجراءات الردع والمنع؛ هي وجود وثيقة أو تنظيم لقواعد السلوك الوظيفي في كل جهة حكومية، بحيث تتضمن التفاصيل اللازمة للأعمال المقبولة وغير المقبولة تعزز وتدعم التصرفات الملائمة والمناسبة والتصرفات غير الملائمة، فمثل وجود هذه القواعد يساعد على منع أو التقليل من تبرير عمليات الفساد أو التفكير بها، بالإضافة إلى إيجاد برامج لمساعدة الموظفين المحتمل خرقهم للآداب الوظيفية، كما يتطلب الأمر أيضاً وجود أنظمة رقابة داخلية قوية في كل جهة حكومية، تأخذ في الاعتبار تقييم المخاطر في الأنشطة والبرامج.
والهيئة في الوقت الحاضر، ليست مطالبة بتقييم وقياس النزاهة في كل جهة حكومية وإن كان تنظيمها ينص على ذلك، ولكن هناك حاجة ملحة في هذه المرحلة بالذات وكخطوة أولية للتأكد من قيام الجهات الحكومية بهذا الدور، فكل جهة مطالبة بتحليل إجراءاتها ذات العلاقة بأعمالها، وتحديد العمليات الأكثر حساسية وعرضة لأفعال مخلة بالنزاهة، ومن ثم تحليل المخاطر المحتملة ذات العلاقة.
إن تقييم النزاهة أولاً هي من مسؤولية الجهة الحكومية، ومن مسؤولياتها أيضاً تصميم وتقييم أنظمة الرقابة الداخلية لديها، كما أن الجهات الرقابية مسؤولة عن تقييم هذه الأنظمة، ويمكن للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التأكد من قيام الجهات المشمولة باختصاصاتها بهذه المسؤوليات بالإضافة إلى قيام الجهات الرقابية بذلك، كما تستطيع الهيئة أيضاً التأكد من إجراءات حماية النزاهة من خلال بلاغات المواطنين عن قضايا الفساد، ورصد ما ينشر في الصحف ووسائل الإعلام، بحيث يكون عملها تجميعياً وتحليليا لمقاييس حماية النزاهة.
والجهود الحالية لمكافحة الفساد في الحقيقية لا تتيح الكشف عن فرص وإمكانات واحتمالات الفساد قبل حدوثها، لأنها ببساطة لا تفحص أو تقيم النظم والإجراءات والقواعد تقييما ناقداً، وبالتالي لا تسهم هذه الجهود في تطوير آليات التحوط والمناعة ضد الفساد، والمتمثلة في حماية النزاهة، ويبدو أن مفهوم النزاهة مجرد شعار مثالي للأخلاق الحميدة وحسب، دون وجود إجراءات تطبق على أرض الواقع!