هناك جهود واضحة لتطوير عمل 'الهيئة' وتنقيتها من الشوائب، ولا سيما أن اهتمام الدولة بها جاء على أسس علمية، تتمثل في الكراسي العلمية للحسبة في بعض الجامعات

اليوم، قررت مع سبق الإصرار ألا أكتب عن الهيئة! وذلك لعدة أسباب أعدها حقاً شخصياً في اتخاذي قرار عدم الكتابة والخوض في هذا الموضوع الشائك، وأول هذه الأسباب هو أني على مدى السنوات الثماني الماضية، كتبتُ عدة مقالات متفرقة تتضمن بطبيعة الحال التأكيد على أهمية الحسبة كشعيرة دينية في ديننا الإسلامي، كما تتضمن نقداً للأخطاء الفردية ـ ولا سيما القاتلة ـ التي وقعت في ظل أداء موظفين ميدانيين ببعض فروع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمهامهم ممارسين هذه الشعيرة التي تستلزم تعاملهم مع الجمهور، وما أسفر عنه ذلك من حوادث منذ سنوات في بعض المناطق عن وفيات تم تحويلها إلى القضاء ليحكم فيها أخذت مجراها وتم البتّ فيها.
أما إصراري اليوم على عدم الكتابة عن الهيئة، فليس سببه التوجس من بعض ردود الفعل المتشنجة التي أعتقد أن كاتباً مثلي يعرفها جيداً، ولو ألقى لها بالاً لما استمر في الكتابة التي يعد النقد البنّاء جوهرها، والفاعل في محاولة البحث عن التطوير ومواكبة بلادنا ومجتمعنا لمجريات التطور الدولية في حقوق الإنسان الفردية والجماعية.
أما السبب الثاني (المنطقي) الذي جعلني اليوم أبتعد عن الكتابة عنها، هو ذلك الخلط الذي يذهب إليه البعض-ربما بقصد أو دون قصد- عن نقد الهيئة، وذلك بصناعة صورة ضبابية نتيجتها عدم التفريق بين نقد تصرفات رجال الحسبة كبشر يخطئون ويصيبون، وبين الحسبة ذاتها كشعيرة دينية ليست محل نقاش لورودها صريحة في النص القرآني.
أما السبب الثالث ـ وهو الأهم من وجهة نظري ـ والذي أجده مبرراً (منطقياً أيضاً) لامتناعي اليوم عن الكتابة عن الهيئة هو أنها كجهاز حكومي له ما له وعليه ما عليه، قد مرَّ على رئاستها ثلاثة رؤساء عموم كلهم بمرتبة وزير، منذ كتبت عنها أول مرة في هذه الصحيفة، ومن المجحف أن أقول: إنه خلال السنوات الثمان الماضية لم يتغير شيء ولم يتطور شيء فيما يخص عمل الهيئة وأسلوب تعامل أفرادها مع الجمهور، بل إن المنطق يقول إن الجهود واضحة في تطوير عمل الهيئة وتنقيتها من الشوائب التي تعكر صفو هذه الشعيرة، ولا سيما أن اهتمام الدولة بها جاء على أسس علمية، فالجهود في هذا المجال تتمثل بالكراسي العلمية للحسبة في بعض الجامعات السعودية مثل: كرسي الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحسبة وتطبيقاتها المعاصرة بجامعة الملك سعود، وكرسي الأمير سلمان بن عبدالعزيز لإعداد المحتسب بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكرسي الأمير سلطان بن عبدالعزيز لأبحاث الشباب وقضايا الحسبة بجامعة الملك عبدالعزيز، وكرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكرسي أبحاث المرأة وقضايا الحسبة بجامعة حائل.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن من الأسباب التي تمنعني اليوم من الكتابة عن جهاز هئية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي تلك النظرة السلبية المتكرّسة ـ والمتكلّسة أحياناً ـ في المجتمع بشكل عام في مفهوم النقد في الإعلام، حيث وصل الأمر بالبعض إلى درجة وصف كل من ينتقد بالمتآمر والخارج على جميع القيم، ولو فكّر بعضنا قليلاً في هذا الأمر لوجد أنه يضر بالهيئة ولا ينفعها، إذ إنه لو سلّمنا بهذه الاتهامات كقضية وأبعدنا الإعلام عن تناولها لكان الثبات هو مصير الأجهزة الحكومية، وبالتالي توقفها عن مواكبة التطوير، بالإضافة إلى الإسهام في تكريس محاولة صناعة الذات البشرية الخالية من الأخطاء والآثام، والتي ترسم صورة ذهنية عن الأشخاص العاملين في هذا الجهاز بأنهم مكتملون وأنهم فوق النقد ربما، ورغم أن هذا الأمر لن يخرجهم عن سماتهم البشرية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال إلا أن يكونوا عليها، لكن هذا الأسلوب في الوقت ذاته سوف يسهم في وجود علاقة متوترة ونظرة متوجسة بين الإعلام وهذا الجهاز الحكومي من جهة، وبينه وبين المجتمع من جهة أخرى.. لذلك قررت ألا أكتب اليوم عن الهيئة، رغم وجود بعض الأخطاء التي صنفت منذ سنوات في المجتمع بأنها قاتلة!