لو شاء الله ووهبني شيئا من حياة أخرى، فإنني سوف أستثمرها بكل قواي. ربما لن أقول كل ما أفكر به، لكنني حتما سأفكر في كل ما سأقوله. سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه. سأنام قليلا، وأحلم كثيرا، مدركا أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور. سوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام. لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى، سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقا متى شاخوا، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق. للطفل سوف أعطي الأجنحة، لكني سأدعه يتعلّم التحليق وحده. وللكهول سأعلّمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان. لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر... تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سرّ السعادة يكمن في تسلقه. تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف.. قل دائما ما تشعر به، وافعل ما تفكّر فيه.. هناك دوما يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل؛ لأن الغد ليس مضمونا لا للشاب ولا للمسن. ربما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم. فلا تنتظر أكثر، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي، ولا بد أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة، أو عناق، أو قبلة، أو أنك كنت مشغولا كي ترسل لهم أمنية أخيرة.
حافظ بقربك على مَنْ تحب، اهمس في آذانهم أنك بحاجة إليهم، أحببهم واعتن بهم، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكرا، وكل كلمات الحب التي تعرفها. لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها. وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك.
هذه بعض من وحي رسالة الوداع، للكاتب جابرييل جارسيا ماركيز، وقد كتبها إلى محبيه في العالم. وها أنا أعيد بعضا منها لمحبي زاوية نون. في نهاية الأمر، الإنسان لا يملك في هذا الكون الفسيح سوى نيّته، وله الحرية المطلقة أين يضعها. فالنية والقصد كالعمل، هي انعكاس لما يحدث لك في الخارج، وما تقوم نيّتك بجلبه تجاهك ما هو إلا رسالتك في الحياة.