بإمكان جامعة الحج والعمرة أن تضم أفضل كليات علوم الفيزياء والفلك والبيئة والكيمياء العضوية والأحياء الدقيقة، وطب الأمراض المعدية والوبائية، وهندسة المشاعر وإدارة الحشود
انفردت سورة الحج في القرآن الكريم باسم ركن من أركان الإسلام الخمسة، وتميزت بآيات نزلت مكياً ومدنياً، ليلاً ونهاراً، سلماً وحرباً، سفراً وحضراً، ناسخا ومنسوخا، محكماً ومتشابهاً، واحتوت على آخر سورة نزلت فيها سجدة: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون.
من أهم أركان فعل الخير بناء الجامعات ودور العلم ومراكز الأبحاث، ومن أهم عناصر الفلاح بناء العقل وتطوير المدارك ونشر المعرفة. قبل أسبوع دعا أمير منطقة مكة المكرمة رئيس لجنة الحج المركزية الأمير خالد الفيصل، إلى إنشاء جامعة متخصصة في الحج والعمرة، تتولى شؤون الأبحاث والدراسات والتدريب والتأهيل في ظل استمرار موسمي الحج والعمرة طوال العام وإلى يوم القيامة، بحيث يشكل معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج ومعهد الحرم المكي نواة حقيقية لإنشاء هذه الجامعة المتخصصة.
بإمكان جامعة الحج والعمرة أن تضم أفضل كليات علوم الفيزياء والفلك والبيئة والكيمياء العضوية والأحياء الدقيقة وطب الأمراض المعدية والوبائية وهندسة المشاعر وإدارة الحشود، بالإضافة إلى علوم المياه والغذاء والدواء. وبإمكان هذه الجامعة استقطاب أفضل علماء المسلمين المغتربين للعمل في مراكز أبحاثها التطبيقية المتخصصة في تطويع تقنية النانو لمعالجة البكتريا والفطريات والفيروسات، والهندسة الوراثية لحفظ الأطعمة وإنتاج المضادات والأمصال، وبناء خارطة الجغرافيا البشرية لتحسين وسائل نقل الأعضاء والقضاء على الأمراض. كما بإمكان هذه الجامعة أن تتفوق على جامعات العالم في تقنية المعلومات وهندسة الطرق وعلوم الجسور والأنفاق اللازمة لتنظيم وتفويج الحجاج والمعتمرين بأمن وأمان.
خلال موسم الحج الماضي، عكفت جامعة أم القرى بالتعاون مع معهد أبحاث الحج على تنفيذ تجربة استخدام تقنية النانو لتطوير المواد المصنعة ومعالجتها لتصبح قادرة على مقاومة البكتريا والفطريات. لأول مرة في التاريخ تم تطبيق هذه التجربة على السجاد في المسجد النبوي الشريف بالتعاون مع أمانة المدينة المنورة ليتم تقييمها وتعميمها لاحقاً على جميع المشاعر المقدسة. كما يقوم مركز أبحاث الحج باستخدام هذه التقنية على المواد المستخدمة في معالجة السجاد والخيام والإحرامات لمنع نمو أكثر من 630 نوعاً من البكتريا والحد من انتشار نحو 570 نوعاً من الفطريات.
كعادته في كل مواسم الحج، يعكف المعهد خلال هذا العام على إجراء 68 دراسة، منها 10 دراسات في قسم البحوث الإدارية والإنسانية، و20 دراسة في قسم البحوث البيئية والصحية، و12 دراسة في قسم البحوث العمرانية والهندسية، كما سيجري قسم البحوث والشؤون الإعلامية 8 دراسات، وقسم المعلومات والخدمات العلمية 9 دراسات، ويعكف على هذه الدراسات 165 باحثاً رئيساً ومشاركاً ومسانداً، بالإضافة إلى مشاركة 705 من الطلاب.
بإمكان جامعة الحج والعمرة تأسيس مركز متخصص في أبحاث الاقتصاد وتنمية الموارد، لدراسة زيادة التبادل التجاري بين الدول الإسلامية وتطوير الاتفاقيات الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل ورفع نسبة توطين الوظائف وتخفيض حدة الفقر والقضاء على ظاهرة التصحر وتخفيف وتيرة التغيير المناخي. وبإمكان الجامعة دراسة وتقييم إحصائيات مواسم الحج والعمرة وفوائدها على كل حاج أو معتمر أو زائر، لتعظيم مردود إنفاقهم على خدمات الحج والعمرة، الذي فاق نسبة 25% من إجمالي مصروفاتهم على الإقامة والسكن و15% على النقل الجوي و14% على التغذية و12% على الملابس و10% على الوقود والمحروقات و7% على الاتصالات و6% على النقل البري والبحري و11% على الصحة والخدمات الأخرى.
وبإمكان جامعة الحج والعمرة إنشاء كلية الخدمات المصرفية الإسلامية والتأمين التكافلي، التي تعد حالياً من أسرع القطاعات الخدمية نمواً في العالم، حيث بلغ حجمها في عام 2012 أكثر من 1,2 تريليون دولار، وتديرها 300 مؤسسة مالية في أكثر من 75 دولة حول العالم بميزانيات تبلغ قيمتها نحو 300 مليار دولار. وبإمكان الجامعة إنشاء أقسام متخصصة في وسائل التكافل الإسلامي، والتعاون مع أكثر من 100 شركة تكافل عالمية ونحو 318 صندوقا استثمارياً دولياً، تدير أصولاً تربو قيمتها على 450 مليار دولار. بل بإمكان هذه الجامعة تنمية وسائل التمويل الإسلامي، الذي ينمو سنوياً بنسبة 16%، ليصل حجم الأصول الإسلامية بنهاية عام 2012 نحو 6 تريليونات دولار، بالإضافة إلى ارتفاع أصولها عالمياً في العام الجاري إلى حوالي 7 تريليونات دولار.
بإمكان جامعة الحج والعمرة أن تنشئ قسماً مختصاً في قطاع الغذاء الحلال، الذي يواصل نموه بمعدلات غير مسبوقة فاقت 5% سنوياً، لتصل إلى نحو 7 تريليونات دولار في عام 2020، مما يعني أن هنالك فرصاً استثمارية مجدية بحوالي 3 تريليونات دولار تنتظر الدخول في هذا المجال خلال العقد القادم.
علوم وأبحاث الحج والعمرة في أمس الحاجة اليوم إلى جامعة تلم شملها وتتكاتف حولها، لتضم خيرة علمائنا وخبرائنا المتعطشين لمواجهة تحدياتنا وتوطين معارفنا وإيجاد الحلول الناجعة لمشاكلنا في كافة المجالات. فالأمة الإسلامية التي تشكل 27% من سكان المعمورة لا زالت تئن تحت وطأة الفقر بنسبة 70% من فقراء العالم، ولا زالت تعاني من ارتفاع نسبة البطالة التي وصلت إلى 20% بين الرجال و40% لدى النساء، بالإضافة إلى تردي نسبة التعليم بين شعوبنا إلى 40% وانخفاض عدد علمائنا وخبرائنا إلى 230 عالما بين كل مليون مسلم، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 5000 في أميركا، و4000 في اليابان و2600 في أوروبا.
جامعة الحج والعمرة....فريضة المعرفة بمفهوم خالد الفيصل.