وأنا في الطريق إلى المطار، متوجّها إلى الرياض من أبها، للمشاركة في اللقاء السابع للخطاب الثقافي السعودي، وعنوانه: التصنيفات الفكرية وأثرها على الخطاب الثقافي السعودي، رحت أسألني: ما منابع التصنيفات الفكرية؟ ولماذا تزداد وتنتشر حتى وصلت إلى أذهان العامة؟ ومن المستفيد من تكريسها في عقول الناس؟
تركت السؤالين الأولين لأنّ إجابتيهما تتحققان عند الإجابة عن السؤال الثالث: من المستفيد من تكريسها في عقول الناس؟
هنا، مربط كل شيء؛ ذلك أنّه لا يمكن أن يبلغ الشر بأحدٍ حد خلق التصنيفات الفكرية خلقاً إلا إذا كانت أهدافه أبعد مما يظن الطيبون، وأكبر من سذاجة المؤمنين بالتسامح والحوار، إن صح أن نصف النوايا الحسنة والصادقة بـالسذاجة.
ربما كنا ساذجين وعلى نياتنا في مرحلة ما، وربما كنا نحسن الظن فيمن لا يكون إحسان الظن به إلا غفلة. أما الآن فقد تكشّفت الكثير من الحقائق، وظهرت على السطح أشياء لم نكن نتوقع وجودها في العمق.
الآن نستطيع أن نقول: إن هناك من يستفيد من وجود التصنيفات الفكريّة حتى وإن لم تكن هناك أسباب موضوعية لوجودها.
هناك من لا يمكن أن يُتّبَع إلا في حال تقسيم خلق الله إلى فسطاطين: أحدهما؛ هو ومن انتمى إلى حزبه، والآخر؛ كل من اختلف معه، أو رفض طريقته سرا أو جهراً.
هناك من لا يمكن أن يحقق أحلامه البعيدة، أو يصل إلى طموحاته التي تتجاوز واقعه، ويرفضها واقعنا، إلا من خلال زراعة أسباب التشظي، وزيادة عوامل الفرقة، ليخلو له الجو فـيبيض ويصفر.
هناك من يستثمر التنوع الفكري الصحي الدال على الوعي الجمعي، ليجعلنا أشتاتا، وعندئذ يكون هو ومن معه الغالبين كما يتوهم ويخطط، وهيهات بإذن الله.
هناك من يصنف لأهداف غير فكرية، ويشتت لأسباب لا تتعلق بالخلاف، وإنما يفعل ذلك كله وأكثر ليجعلنا جاهزين لغلبته، ويجعل العامة معه، لأنه لا يصنف إلا بناء على ما يستدر عواطف البسطاء، فيرونه صاحب الحق المطلق، فيما يرون غيره ـ ممن صنفهم هو ولم يصنفوا أنفسهم ـ أصحاب الضلال والفتنة والتغريب والفسق وكل الموبقات.
نعم؛ المسألة كلها لعبة وتلاعب، لعبة سياسية خالصة يمارسها البعض، وتلاعب بعقول العاجزين عن الاستقلال والتفكير والتبصر.
يقول قائل: أين الدليل؟ فأقول: إنه ماثل في خطاب أولئك الذين لا تخلو لغتهم من ألفاظ: التخوين والتكفير والتفسيق والتشويه والتحريض، ولا يكادون يتجاوزن موضوعا إلا وأقحموا فيه مصطلحات مثل: الليبرالية والعلمانية والتغريبية وغيرها.... ممّا أصبح سيماء خطاب فئة نعرفها من لحن القول.
هل ندرك؟ وهل نفهم؟ وهل نعي؟ رباه هب لنا من أمرنا رشدا.