قضيت بياض الأمس ـ وللأسف الشديد ـ مستمتعا بالمسرحية المصرية الهزلية لمحاكمة الرئيس المعزول محمد مرسي. وكل ما يحدث في مصر منذ أكثر من عامين ليس إلا تبادل الأدوار بين من هم داخل القفص، ومن هم في خارجه. وبكل الصراحة سأقول: إن فلول الدولة العميقة تحاكم فلول المنظمة السرية المقفلة، بعد أن كان المشهد هو العكس تماما قبل أقل من سنة. هي روح الانتقام مثلما هي غرائز المشهد والطبع العربي. وكل هؤلاء الفرقاء لم يفهموا من النبي المصطفى ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ مجرد كلمات ثلاث قالها في وقت المقدرة؛ من أجل مستقبل الأمة والدولة: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ومن المخجل المعيب بمكان في المشهد المصري بالأمس، أنها ذات القاعة وذات القفص وذات الكراسي وذات الفوضى العارمة التي وقف فيها زعيمان: حسني ومن ثم مرسي فما أوجه الشبه بين محاكمتي زعيمين؟ وجه الشبه، هو روح الثأر والانتقام، التي تضع في قفص المحاكمة رجلا في الخامسة والثمانين من العمر، مصابا بمرض عضال، ومن قبل كان قائد سلاح بسيرة تاريخية في أغلى حروب مصر. ما أسباب هذا السقوط الأخلاقي الذي يدفع شعبا حضاريا وراقيا مثل مصر، لمحاكمة كهل في نهايات العقد التاسع من العمر؟ هي ذاتها نفس الأسباب، من غرائز الانتقام وروح الثأر البغيضة، التي نقلت شخصا مثل محمد مرسي إلى ذات القفص. سأعلن للمرة الأولى تعاطفي مع براءة مرسي، مثلما أعلنت تعاطفي مع شيخوخة حسني، وكل ذلك أولا لدوافع الصفح وطبائع الإنسان. وجه الشبه الآخر، أن الزعيمين ضحايا لمن حولهما، مثلما كانا بلا حول أو قوة. مسح جمال وعلاء مع أحمد عز كل تاريخ حسني مبارك، مثلما كان الثلاثي البلتاجي وصفوت حجازي وعصام العريان، رأس الحربة التي تركت محمد مرسي منبوذا ونشازا في عيون غالبية الشعب. وجه الشبه، أن حسني مبارك كان ضحية لمكتب سياسات الحزب الوطني، مثلما كان مرسي ضحية لمكتب إرشاد الجماعة. وبين دهاليز هذين المكتبين ضاع مستقبل شعب كامل، يتم احتجاز صورته إلى مجرد أقفاص ومحكمة. وروح الانتقام لا تصنع مجتمعا ولا مستقبلا، ولن تبني دولة.