أميركا تسعى لتحسين علاقاتها مع إيران، كشكل من أشكال الاحتواء الموقت، وهذا متحول، أما علاقتها بدول الخليج والمملكة بشكل خاص، فما زالت علاقة خاصة وقوية، حيث ما زال الاقتصادان الأميركي والسعودي، متشابكين ومتداخلين، وهذا ثابت

السياسة الخارجية لأي دولة، هي انعكاس لمقدراتها الجغرافية والسكانية والاقتصادية، وفي بعض الأحيان المعنوية كذلك. هذا في حال انعكست مقدرات الدولة عليها، لتلزم حكوماتها المتعاقبة أو حكومتها الدائمة على إدارتها، فتتحرك خارجيا لتحقيق طموحاتها التي تطمح منها لتنمية مقدراتها، أو على الأقل الدفاع عنها والحفاظ عليها، والتفرغ لتنميتها داخليا، حتى تضيف مقدرات أكبر وأكثر وأفضل، لمقدراتها الموجودة، حسب نمو سكانها واحتياجاتها، ولتلبية متطلبات العصر. إذا فالسياسة الخارجية تأتي انعكاسا لحاجات داخلية اقتصادية وجغرافية، أي أن السياسة الخارجية تنبع من ثوابت تمليها معطيات على الأرض، وليست مزاجية أو مطاردة وهمية، لأمور لا تعكس معطيات الأرض أو ليس لها مطلب ضروري داخلي.
وكما أن للسياسة الخارجية ثوابت طويلة الأمد، فكذلك لها متحولات، قصيرة أو ربما متوسطة الأمد، تتحول من وقت لآخر، إما لكسب الوقت، أو للاستعداد لتنمية القدرات الداخلية؛ لدخول حلبة العلاقات الخارجية بمقومات أكبر وأقوى من ذي قبل. إذن فالقراءة الصائبة لحركة وتداخلات السياسات الخارجية، تحتم قراءة المعطيات الداخلية لتلك الدولة أو تلك الدول، دون المواقف المعهودة لتلك الدولة أو تلك الدول.
الولايات المتحدة الأميركية منذ تأسيسها في نهاية القرن الثامن عشر، حتى نهاية القرن التاسع عشر، عاشت نظام عزلة في علاقاتها الخارجية مع العالم حولها. ركزت على الزحف على جغرافيا الجوار، مع تنمية عدد سكانها، وتشجيع الهجرات الأوربية النوعية إليها. في بداية القرن العشرين، بدأت تتمدد مصالحها خارج حدودها، من أجل البحث عن أسواق لتصدير الفائض لديها من منتوجاتها الصناعية المتطورة والزراعية الوافرة؛ وكذلك للبحث عن مناطق خام طبيعي، لتعويض ما بدأ ينقص لديها داخليا من مواد خام، تتطلبها ماكينتها الصناعية. هنا كسرت الحكومات الأميركية حاجز خجل العزلة، وبدأت تتحرك خارجيا على استحياء لرعاية ما يتعثر من مصالح شركاتها، التي بدأت تتحول لشركات عملاقة، هنا أو هناك.
سمعة الولايات المتحدة، كدولة صناعية متطورة وثرية، وتحولها إلى أرض فرص، لجميع مستثمري العالم، سبقت تدخلها في العالم، من خلال علاقاتها الخارجية. وهذا سهّل قبول تمدد مصالحها، خاصة كونها دولة عالمية فتية تناهض الاستعمار الأوروبي التقليدي، وتطالب بفتح البحار والأسواق العالمية، ليكون التنافس عليها تنافسا فيه قدر من العدالة بين الدول الصناعية في العالم.
بعد اضطرار أميركا لدخول الحربين العالميتين الأولى والثانية، دخلت المعترك الدولي، ليس من قبيل كونها دولة صناعية متطورة ورأسمالية كبيرة، ولكن أيضا كونها قوة عسكرية جبارة على الأرض. وعلى أساس كونها أكبر دولة صناعية ورأسمالية في العالم، ومساحتها الجغرافية، مساحة شبه قارة بكاملها، وعدد سكانها النوعي تخطى المئتي مليون ويزداد مئتي ألف سنويا من الهجرات المنتقاة بعناية، وتعد أكبر قوة عسكرية ليس على الأرض فقط، ولكن في التاريخ أيضا، خضعت الدول الأوروبية لقيادة أميركا، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وهنا فسياسة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية، تعكس وبأمانة مقدراتها الاقتصادية والجغرافية والسكانية. وعلى هذا الأساس بنت الولايات المتحدة قوات مسلحة تعد الأكبر والأقوى والأكثر تطور وتسليحا.
في عام 1943، وفي خضم الحرب العالمية الثانية، أعلن الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، إعلانه الشهير، الذي عد فيه الدفاع عن المملكة العربية السعودية جزءا من الدفاع عن الولايات المتحدة. وذلك بسبب عثور الشركات الأميركية فيها على أكبر احتياطي نفط في العالم، وفي نفس الوقت، رفع إليه تقرير سري يخبره بأن احتياطي النفط الأميركي لن يكفي لنهاية القرن العشرين.
بعد الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم إلى معسكرين المعسكر الشرقي الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الرأسمالي الغربي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. وبسبب تنافس كل معسكر في السيطرة على مقدرات وأسواق العالم غير المنتمي لأي من المعسكرين، اشتعلت الحرب الباردة بينهما. ومن هنا أصبحت أهمية الخليج العربي، خاصة المملكة، أهمية استراتيجية حيوية، يعد المساس بها، فعلا مساسا خطيار بالمعطيات الاستراتيجية للمعسكر الغربي.
وهكذا نشأت العلاقة الخاصة بين المملكة والولايات المتحدة الأميركية، وأحاطت القواعد الغربية بالخليج العربي للدفاع عنه ضد أي تهديد من الاتحاد السوفيتي أو قوى إقليمية ثورية، وهذا ما جعل دول الخليج العربية قاطبة تتحالف في دفاعها مع قوات حلف الناتو الضاربة. الولايات المتحدة لم تعتمد كليا على دفاع القواعد الغربية عن الخليج العربي، وعلى هذا الأساس قررت، بدعم وتطوير القوات المسلحة الإيرانية، التي تحتل المساحة بين حدود الاتحاد السوفيتي الجنوبية والخليج العربي؛ للتمكن من الصد الموقت لأي زحف متوقع للقوات السوفيتية ناحية الخليج العربي؛ لتعطي فرصة لقوات الناتو لإنزال قواتها الضاربة في الخليج والدفاع عنه.
وهكذا فالوجود الغربي في الخليج، أسس لقوة عسكرية إيرانية ضاربة، من الممكن أن تصد تقدم جيش الاتحاد السوفيتي ناحية الخليج العربي، وفي نفس الوقت أقنعت دول الخليج العربي، بأن تكتفي بتكوين قوات مسلحة تحمي حدودها، خاصة مع ضغط اللوبيات اليهودية في الغرب، بعدم تسليح الجيوش العربية، بأسلحة استراتيجية هجومية، قد تهدد إسرائيل في أي حرب عربية إسرائيلية.
ومن هنا اعتمدت إيران في علاقاتها الخارجية، منذ نهاية الخمسينات الميلادية، على توازن القوى على الأرض، وفرض إرادتها على جوارها من خلاله. وفي نفس الوقت، اعتمدت دول الخليج، خاصة المملكة، على سياسة توازن المصالح، في إدارة علاقتها مع دول المنطقة. القوة الاقتصادية مهمة في سياسة توازن المصالح، ولكن القوة الاقتصادية مع القوة العسكرية والكثافة السكانية، والمساحة الجغرافية الكبيرة، أهم جدا في إدارة العلاقات الخارجية للدولة، حيث العلاقات الخارجية هي، كما يجب أن تكون، انعكاس أمين لمعطيات كل مقدرات القوة للدولة.
إيران بعد الثورة الإيرانية في عام 1979ـ وبسبب تخوفها من التدخل الأميركي والغربي بشكل خاص ـ أخذت في تطوير قواتها المسلحة، ولو أتى ذلك ـ نوعا ما ـ على حساب اقتصادها. وهي تبني الآن مفاعلاتها النووية؛ لتفرض نفسها على الأرض كقوة نووية، وتدعم علاقاتها من خلال ذلك. أميركا والغرب بشكل عام، يعرفون ماذا تعني مسألة توازن القوى على الأرض بالنسبة للعلاقات الخارجية. ولذلك أخذت تغازل إيران، خاصة بعد تمدد النفوذ الإيراني للعراق وسورية وجنوب لبنان وشمال اليمن، وغزة.
أميركا تسعى لتحسين علاقاتها مع إيران، كشكل من أشكال الاحتواء الموقت، حتى تخرج سالمة من أفغانستان، ويتحسن الوضع في العراق، وتحل أزمة سورية، وتمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، يهدد إسرائيل. وإذا نجحت أميركا في ذلك، فسترى أنها حققت نصرا دبلوماسيا عظيما بعد الهزائم التي منيت بها، وهذا متحول.
أما علاقة أميركا مع دول الخليج، والمملكة بشكل خاص، ما زالت علاقة خاصة وقوية، ولو شابها كثير من عدم الفهم والتوجس المتبادل؛ حيث ما زال الاقتصادان الأميركي والسعودي ـ وبرغم استغناء أميركا عن النفط الخليجي ـ متشابكين ومتداخلين ولا غنى لأحدهما عن الآخر، وهذا ثابت.