لا يوجد فرد منا لم تمر عليه في حياته خبرات مؤلمة أو مؤثرة، قد ندفنها في الأعماق لنتخلص منها، ولكن الناتج يطفو إلى السطح ويفاجئنا كل فترة من حياتنا، لكن يجب ألا نخاف من المواجهة

كم منا من شعر يوما بأنه فقد كل طاقته، ولا يستطيع أن يكمل، كم منا من شعر يوما بأنه وجد في هذه الحياة لا لشيء سوى أن يتعذب ويتألم، وكم منا من شعر باليأس ممن حوله وهو يحاول أن يغير.. أن يطور، ولا يواجه سوى بالسخرية أو اللامبالاة أو يُهاجم إلى أن يصل إلى حد أن تتسلط عليه الكراهية وتعكر عليه عيشه، فيتخلى ويبتعد، هل كل هذا فعلا ناتج عن مؤثرات خارجية؟ أم هي هي نتاج مؤثرات داخلية أيضا؟ تلك التي منا من يعتبرها تافهة ليبرر عدم اهتمامه بها، وتلك التي منا من يرفض الاعتراف بوجودها أصلا.. خاصة المؤلمة منها، ورغم كل ذلك تظل مشاعر قمعت بطريقة أو بأخرى بدواخلنا، نوهم أنفسنا بأننا تخلصنا منها ولكنها تظهر وتتدخل في سلوكياتنا وقراراتنا!
قد يحاول البعض وضع تعريفات، بحيث يبين الفرق بين المشاعر والأحاسيس، فمن جهة هنالك المشاعر؛ وجدانيات تمتاز بأنها صفة إنسانية، ومن جهة أخرى الأحاسيس والتي تتبع ما نطلق عليها الحواس الخمس؛ بصر ولمس وذوق وسمع وشم، وهي تتواجد عند الإنسان والحيوان، بينما نجد تعريفا أكثر وضوحا عند أستاذ الطب النفسي الدكتور عادل صادق؛ حيث إنه عرف المشاعر على أنها استجابات لما يسمى الوجدان، وأما الأحاسيس فلقد عرفها على أنها استجابات الجسد، ولكن ما هو الوجدان؟ إنه بحسب القول المشاع؛ المحكمة التي لا تحتاج إلى قاض، لأنه يقيس ويحكم وينفذ، إنه قدرة فطرية، تحرك الإنسان لاتخاذ أحكام معينة بناء على ضمير يؤنب، ويراجع ويحاسب، يوجه للوقوف مع الحق، أن يعمل على البناء والسلام، ويرفض الظلم والاضطهاد والحرمان والقهر، يسعد لسعادة الناس ويحزن لحزنهم.. بمعنى كل ما يبقيه على تواصل مع إنسانيته كي يبقى إنسانا.
إذن ما الذي يعطل هذا الوجدان من أن يقوم بعمله الذي فطره الله سبحانه وتعالى عليه؟ كيف نجده يستسلم أحيانا، وأحيانا يهرب، وأحيانا أخرى يختفي ويموت؟! إنه الخوف... نعم الخوف والذي هو أساس لكل المشاعر السلبية؛ مثل القلق، والغضب، والسيطرة، والحزن، والاكتئاب، وعدم الكفاية، والارتباك، والألم، والوحدة، والشعور بالذنب، والخجل أو العار، إنها تلك المشاعر التي نتجاهلها ونعمل على دفنها، على خنقها بداخلنا لخوفنا من ظهور انعكاسها على سلوكيات قد نقوم بها فتؤدي إلى ما هو أعظم مما نخافه بالأصل! نعتقد بأننا من يسيطر فينتهي الأمر بنا إلى أن نكون المسيطر عليه! إن عدم القدرة على التواصل مع تلك المشاعر يحرمنا من أن نحررها؛ نخرجها للسطح لكي نتوصل إلى طرق كيفية التعايش معها والسيطرة عليها، بحيث لا تتحكم بسلوكياتنا أو قراراتنا أو أجسادنا.. أو على حياتنا بمجملها، بحلوها ومرها، فالسيطرة الخفية لا تحرمنا من الحكم الصحيح، بل إن كبتها ينكب على الجسد من الداخل ويعمل على إضعاف مناعته، وبالتالي إصابته بالأمراض المتنوعة، وليس هذا وحسب، بل يتدخل في استمتاعنا حتى بلحظات السعادة، لأنه يهجم ويسرق الفرحة ويحول عسلها إلى علقم في حلوقنا.
لا يوجد فرد منا لم تمر عليه في حياته خبرات مؤلمة أو مؤثرة، قد ندفنها في الأعماق لنتخلص منها، ولكن الناتج يطفو إلى السطح ويفاجئنا كل فترة من حياتنا، يجب ألا نخاف من المواجهة، فالحدث بمشاعره المصاحبة مر وأصبح ماضيا وانتهى، وبقينا واستمررنا، إذن نحن الأقوى، فلماذا إذن يستسلم الأقوى للأضعف؟! لا نريد استرجاع الحدث كي لا نوقظ مشاعر الانتقام أو الكراهية، ولكن نستطيع التواصل مع الألم، نبحث عنه في أعماقنا.. نخرجه ونتعامل معه، ومرة بعد مرة سينكمش لدرجة لا يصبح له ذاك التأثير، لأن معرفته ومواجهته قضتا على الخوف، وحين يختفي الخوف ترتاح النفس وتنجلي البصيرة ونستعيد التحكم بحياتنا من جديد.. وحينها لن نسمح لليأس بأن يدخل قلوبنا، وسنصبح، بإذن الله، أكثر صلابة وقوة على مواجهة كل ما تطرحه الحياة في طريقنا، المهم أن نتذكرالخطوات: إدراك بأن هنالك مؤثرا داخليا.. البحث عنه.. إظهاره أو تجسيده بطريقة ما لنستطيع أن نتواصل معه.. حينها نتمكن من المواجهة ومن تجربة كيفية التعامل معه، والناتج: وجدان بصيرة وإرادة، قد نقوم بذلك عن طريق مجهود ذاتي وطويل ولا أحد ينكر هذا، وقد يكون بمساعدة أخصائي لضمان الخصوصية والكتمان، ولكن ما أروع أن يكون في حياتنا إنسان نثق به، يساعدنا على مواجهة مشاعرنا دون حكم أو نصائح، مهما كانت الطريقة التي نختارها، المهم أن أمامنا جسرا مائيا، إما أن نسير ونبني، وإما نُسيّر ونغرق.