لن يكون بمقدور الفلسطينيين طرد الاحتلال ما لم يوحدوا جهودهم، وينهوا الصراعات فيما بينهم، وعلى رأسها الانقسام الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وحدة المشروع الفلسطيني، شرط لازم لأي استراتيجية لطرد الاحتلال

ربما هي الصدف، التي جعلت من شهر نوفمبر، شهر النكبات الفلسطينية. ففي الثاني من نوفمبر عام 1917، أعطى وزير الخارجية البريطاني، جيمس بلفور، في صيغة رسالة إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، وعدا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وتبع هذا الوعد، هجرة يهودية مكثفة لأرض فلسطين، وتأسيس الصندوق القومي اليهودي، بهدف تمكين اليهود من الاستيلاء على الأراضي الزراعية، وتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم. ولتفتح صفحات كبيرة من صراع طويل ومرير، بين العرب والصهاينة، لم تنته فصوله بعد.
في 29 نوفمبر 1947، بعد إبداء بريطانيا رغبتها في إلغاء انتدابها على فلسطين، صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181. وقضى القرار بإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وتقسيم أراضيها إلى ثلاثة كيانات: دولة عربية: وتقع على الجليل الغربي، ومدينة عكا، والضفة الغربية، والساحل الجنوبي الممتد من شمال مدينة أسدود وجنوبا حتى رفح، مع جزء من الصحراء على طول الشريط الحدودي مع مصر، ودولة يهودية على السهل الساحلي من حيفا حتى جنوب تل أبيب، والجليل الشرقي، بما في ذلك بحيرة طبريا وإصبع الجليل، والنقب بما في ذلك أم الرشراش المعروفة بإيلات حاليا. ووضع مدينة القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة، تحت وصاية دولية.
رفض العرب قرار التقسيم، كما رفضوا من قبل وعد بلفور، لكن هذا الرفض لم يترجم إلى صياغة استراتيجية عربية عملية، لمواجهة التوسع الصهيوني على حساب الحقوق الفلسطينية. ودخلنا عدة حروب، أخذت مسميات تعكس فشلنا وعجزنا، عام النكبة، وعام النكسة، وكانت كل حرب تأخذ من الحقوق العربية، وتأكل من جرفنا. انتهت حرب تحرير فلسطين بالنكبة وإعلان قيام الكيان الصهيوني الغاصب عام 1948، وقضم الصهاينة معظم الأراضي الفلسطينية، ولم يتبق من فلسطين التاريخية بيد العرب سوى مدينة القدس الشرقية، والضفة الغربية وقطاع غزة. ومرة أخرى تضخم الكيان الغاصب عدة مرات في هزيمة يونيو 1967. ومنذ ذلك التاريخ تغيرت صيغة الصراع، حيث افترقت الطرق بالفلسطينيين، بين من رزحوا تحت الاحتلال، وكان مطلبهم الأول هو التخلص من ثقله عليهم، وبين من هم في الشتات، ومطلبهم العودة إلى ديارهم.
مع تصاعد العمليات الاستيطانية، بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وبشكل خاص في مدينة القدس، ورفض الكيان الغاصب الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، تجاه حقوق الشعب الفلسطيني المظلوم، يتأكد العجز العربي عن التصدي للمشروع الصهيوني. ويتكشف للقاصي والداني الانحياز الدولي، تجاه اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين، وتشريد شعبها من دياره.
وفي فورة الانقسام، انقسمت فصائل النضال الفلسطيني، حول سبل الخروج من مأزق الاحتلال. بين رؤية عدمية تطرح التحرير الكامل لفلسطين التاريخية، وترفع شعارات كبرى، دون وجود استراتيجية عملية للتحرير، ومن غير توفير مستلزمات المواجهة، وبين رؤية تطرح سياسة خذ وطالب، ولكنها تفتقر لمستلزمات تحقيق هذا الشعار من عناصر القوة، ومن الحد الأدنى من التضامن العربي، الذي يمثل الضرورة اللازمة لهزيمة المشروع الصهيوني.
نجح الصهاينة حيث فشلنا، فقد عملوا منذ بداية مشروعهم على تمزيقنا، على أسس دينية وطائفية، وحتى عرقية. وتوسعت دائرة التفتيت لتشمل الوطن العربي بأسره، حيث جرى تفتيتنا إلى شيع وطوائف. اغتصبوا أرض فلسطين، وشردوا شعبها من دياره، وانتزعوا اليهود العرب من انتمائهم الجغرافي والتاريخي، ومارسوا من أجل ذلك أبشع الطرق. نقلوهم عنوة إلى فلسطين، وزجوا بهم في محرقة الحقد والكراهية. وتوسعت دائرة التفتيت لاحقا، لتقسم الفلسطينيين إلى عرب 48، وفلسطينيي الضفة والقطاع، وفلسطينيي القدس، واللاجئين في الشتات. ثم تطور الأمر بعد اندلاع المقاومة الفلسطينية، فقسم الفلسطينيون إلى راديكاليين ومعتدلين، وعدميين ومساومين.
رسخت المتقابلات في العقل الفلسطيني والعربي. فإما المقاومة المسلحة، أو العمل السياسي، في حين أن كليهما في السياسة شيء واحد. فليس هناك عمل مقاوم من دون هدف سياسي. والحرب في أحد تعريفاتها هي تفاوض سياسي، في مرحلة عليا، يستخدم فيها السلاح، من قبل طرف أو أكثر بهدف الوصول إلى نقطة، تجعل من التوصل إلى التسوية أمرا لا مفر منه.
على الجبهة الإسرائيلية، لم يتمكن الفلسطينيون والعرب من تحقيق أية اختراقات، على صعيد عزل الفكر الصهيوني عن مكونات الشعب اليهودي، في فلسطين. مع أن اليهود المقيمين في فلسطين، هم بالمعنى الحرفي شذاذ آفاق، قدموا إلى أرض السلام، من مناطق وثقافات مختلفة. ويشكل العرب اليهود نسبة كبيرة منهم. ومع ما يجمعنا من تاريخ طويل، وثقافات مشتركة مع جزء كبير منهم، عجزنا عن أن نجعل منهم إسفينا في خاصرة المشروع الصهيوني. وعجزنا أيضا عن استثمار الصراع بين الاشكنازيين والسفارديين، لصالح الكفاح الفلسطيني.
في ذكرى نكبات أكتوبر: وعد بلفور وتقسيم فلسطين، تتأكد مقولة أن العيب فينا وليس في زماننا، والخروج من الأزمة يقتضي التصدي لمكمن الداء، قبل الحديث عن الحقوق الفلسطينية المشروعة. فلن يكون بمقدور الفلسطينيين طرد الاحتلال ما لم يوحدوا جهودهم، وينهوا الصراعات فيما بينهم، وعلى رأسها الانقسام الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وحدة المشروع الفلسطيني، شرط لازم لأي استراتيجية لطرد الاحتلال من الضفة والقطاع، وشرطه الآخر، تضامن عربي، يعيد الاعتبار للأمة، ويجمع طاقاتها ويوحد جهودها، فهل يجعل الفلسطينيون والعرب من ذكرى بلفور وقرار التقسيم الأليمين، عبرة وعظة، لتحرك جاد جديد يخرجنا من مأزق الانقسام الراهن ويعيد الاعتبار للوحدة الوطنية الفلسطينية؟!