لا بد أن تقوم المؤسسات الثقافية اليوم على مبدأ الحوار، وتكريس المشتركات الإنسانية الأساسية التي تهمنا كبشر، وتعكس خصوصياتنا الثقافية بلا تضخيم ولا تزييف
منحت جامعة قرطبة الإسبانية مؤخرا، درجةَ الدكتوراه الفخرية للشاعر عبدالعزيز سعود البابطين، كأول شخصية عربية إسلامية تحصل عليها؛ وذلك نظير جهوده في نشر اللغة العربية، ودعم الحوار الثقافي بين الشعوب، ودعم دورات اللغة العربية والبرامج الدراسية التدريبية، إضافة إلى الجوائز، والمؤتمرات الدولية من خلال كرسي عبدالعزيز سعود البابطين للدراسات العربية، وقد أثنى رئيس جامعة قرطبة على الشاعر البابطين، وحيا فيه روح الإنسان المتفاني في توسيع حدود المعرفة، وإحياء تراث الشعر العربي، من خلال مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، مشيدا بالاهتمام بالتراث الثقافي العربي في الأندلس عبر جهود كرسي البابطين للدراسات العربية في الجامعة، وجائزته العالمية للبحوث التاريخية والثقافية الأندلسية، ودور الجائزة في إحياء بعض من تراث الأندلس، واستحضار أسماء علماء ومفكرين وشعراء ـ غير مذكورين سابقا ـ أسهموا في إثراء الثقافة الأندلسية.
هذا الخبر الذي نشرته جريدة الرياض بداية هذا الأسبوع، لا أظنه يمثل تكريما في منح درجة دكتوراه فخرية لشاعر عربي فحسب، بل هو تكريم للثقافة العربية ككل، من خلال جهود إحدى الشخصيات العربية المعروفة بجهودها الفردية في دعم الثقافة العربية داخل الوطن العربي وخارجه، وهذا يدلنا على أمرين مهمين للغاية:
الأول: هو إمكانية تقديم ثقافتنا العربية للغرب من دون وجود حكم مسبق عليها أو صورة نمطية معينة عنها، وذلك عبر مجتمعاتهم ومؤسساتهم الثقافية والأكاديمية، وهذا الأمر يمكن أيضا أن يتم بشكل شخصي من دون وزارات للثقافة، إنما عبر جهود مؤسسات المجتمع المدني، التي تُعدّ مؤسسة البابطين إحداها، بل إن العمل الثقافي والاجتماعي من خلال المؤسسات المدنية، قد يكون أكثر قبولا لدى العالم الغربي من بعض الجهود التي تضطلع بها المؤسسات العربية الرسمية، فتقدمها بشكل لا يخلو من نمطية معينة سواء كانت سياسية أو ثقافية، ولذلك فإن الجهود الشخصية تكون غالبا متجردة من هذه الأمور، عدا الاهتمام بالأمر الأساس وهو الثقافة من خلال التعاطي مع العمل الثقافي، ومما يميز الثقافات الحقيقية هو قبولها لاختلاف الثقافات من جهة، واتخاذ الموقف الشجاع في الإسهام بالتراكم والبناء الثقافي الإنساني.
أما الأمر الثاني: هو أن جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني ذات الاهتمام الثقافي ـ كمؤسسة البابطين وغيرها ـ يمكن أن تدعم إنتاج الثقافة العربية أو إعادة إنتاجها بشكل مستقل، إذ تعمل على زيادة الوعي المجتمعي والجماهيري بالثقافة لدى الجمهور العربي والغربي، من خلال إتاحة فرصة اكتشاف دورها في الحضارة البشرية، واستحضار الأبعاد الثقافية والإنسانية المشرقة فيها، وهذا ما يتيح الفرصة للمهتم والباحث الغربي خصوصا، أن يعيد قراءة التاريخ ليبحث في دور اللغة والثقافية العربية في الحضارة البشرية، التي انطلقت إلى أوروبا عبر إسبانيا من خلال الوجود العربي في الأندلس.
إن هذين الأمرين يعكسان الحاجة إلى مؤسسات ثقافية مدنية فاعلة في العالم العربي، على المستويين الداخلي والخارجي، ويثبتان أيضا أن غالبية المؤسسات الفاعلة يقف خلفها أشخاص فاعلون ومهتمون بالعمل الثقافي أمثال عبدالعزيز البابطين، إذ إن الثقافة هي مرآة الحضارة التي تعكس المكانة الماضية والحالية والمستقبلية للمجتمعات والشعوب والأمم، ولكن يجب أن يوجد في هذه الثقافة مثقفون منتجون يشاركون بصياغة ثقافتهم بالقدر نفسه الذي يسهمون فيه إيجابيا في إثراء الثقافات الإنسانية الأخرى.
ولذلك لا بد أن تقوم المؤسسات الثقافية اليوم على مبدأ الحوار، وتكريس المشتركات الإنسانية الأساسية التي تهمنا كبشر، وتعكس خصوصياتنا الثقافية بلا تضخيم ولا تزييف، فيكون الحوار بين الأفراد مختلفي الثقافات جزءا من السلوك المتحضر للإنسان المعاصر، بعيدا عن فكرة الغزو ونظرية التآمر، إذ إن أهم شيء لدى الإنسان هو الاعتراف باختلافه عن البشر الآخرين كجزء من حقه الثقافي والإنساني الأصيل، الذي تدعمه الحضارات عبر تاريخها من خلال إسهام أفراد من ثقافات مختلفة في ثقافات أخرى.
وعلى ضوء هذا يمكنني القول، إننا نستطيع أن نفعل الكثير للإنسانية إذا ما توافرت فينا الصفات الإنسانية أولا، وإننا نستطيع أن نغير الصورة السلبية إلى إيجابية، وأن نبدل الحال من الصراع إلى الحوار والتعاون، تتوفر فينا العزيمة بوجود فرصة مناسبة لتقبل الآخر، وقبول الحوار البناء وغير المشروط معه.